بَاب اتِّخَاذِ الْمِنْبَرِ
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ، نا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ ابْنِ أَبِي رَوَّادٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَدَّنَ قَالَ لَهُ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ : أَلَا أَتَّخِذُ لَكَ مِنْبَرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ يَجْمَعُ أَوْ يَحْمِلُ عِظَامَكَ ، قَالَ : بَلَى ، فَاتَّخَذَ لَهُ مِنْبَرًا مِرْقَاتَيْنِ . ( لَمَّا بَدَّنَ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : رُوِيَ بِالتَّخْفِيفِ ، وَإِنَّمَا هُوَ بِالتَّشْدِيدِ أَيْ كَبِرَ وَأَسَنَّ ، وَبِالتَّخْفِيفِ مِنَ الْبَدَانَةِ وَهِيَ كَثْرَةُ اللَّحْمِ ، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِينًا ( أَوْ يَحْمِلُ عِظَامَكَ ) كِنَايَةٌ عَنِ الْقُعُودِ عَلَيْهِ ، وَأَوْ لِلشَّكِّ مِنَ الرَّاوِي بَيْنَ لَفْظِ يَجْمَعُ أَوْ يَحْمِلُ ( مَرْقَاتَيْنِ ) بِفَتْحٍ أَفْصَحُ مِنْ كَسْرِهَا أَيْ ذَا دَرَجَتَيْنِ . وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رواد هَذِهِ .
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ . وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَخْطُبُ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى جِذْعٍ ، فَقَالَ : إِنَّ الْقِيَامَ قَدْ شَقَّ عَلَيَّ ، فَقَالَ لَهُ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ : أَلَا أَعْمَلُ لَكَ مِنْبَرًا كَمَا رَأَيْتُ يُصْنَعُ بِالشَّامِ ؟ فَشَاوَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ فَرَأَوْا أَنْ يَتَّخِذَهُ ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ : إِنَّ لِي غُلَامًا يُقَالُ لَهُ كِلَابٌ أَعْمَلُ النَّاسِ ، فَقَالَ : مُرْهُ أَنْ يَعْمَلَ الْحَدِيثَ . قَالَ الْحَافِظُ : رِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا الْوَاقِدِيَّ ، قَالَ : وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الَّذِي اتَّخَذَ الْمِنْبَرَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ ، بَلْ قَدْ تَبَيَّنَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ أَنَّ تَمِيمًا لَمْ يَعْمَلْهُ .
وَأَشْبَهُ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ هُوَ مَيْمُونٌ انْتَهَى . فَإِنْ قُلْتَ : قَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ أَعْوَادَ الْمِنْبَرِ كَانَتْ ثَلَاثَ دَرَجَاتٍ ، وَكَذَا عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ الطُّفَيْلِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي إِلَى جِذْعٍ إِذَا كَانَ الْمَسْجِدُ عَرِيشًا ، وَكَانَ يَخْطُبُ إِلَى ذَلِكَ الْجِذْعِ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لَكَ أَنْ تَجْعَلَ لَكَ مِنْبَرًا تَقُومُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَتُسْمِعُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ خُطْبَتَكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَصُنِعَ لَهُ ثَلَاثُ دَرَجَاتٍ الْحَدِيثَ . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا : اتَّخَذَ لَهُ مِنْبَرًا دَرَجَتَيْنِ ، فَكَيْفَ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا ؟ قُلْتُ : إِنَّ الْمِنْبَرَ لَمْ يَزَلْ عَلَى حَالِهِ ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ حَتَّى زَادَهُ مَرْوَانُ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ سِتَّ دَرَجَاتٍ مِنْ أَسْفَلِهِ ، وَالَّذِي قَالَ مَرْقَاتَيْنِ لَمْ يَعْتَبِرِ الدَّرَجَةَ الَّتِي كَانَ يَجْلِسُ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ ابْنُ نَجَّارٍ وَغَيْرُهُ : اسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا مَا أُصْلِحَ مِنْهُ إِلَى أَنِ احْتَرَقَ مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ فَاحْتَرَقَ .
قَالَهُ الْعَيْنِيُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .