بَاب النِّدَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ : كَانَ يُؤَذَّنُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ وَأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، ثُمَّ سَاقَ نَحْوَ حَدِيثِ يُونُسَ . ( كَانَ يُؤَذَّنُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) قَالَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ : قَالَ الْفَرَّاءُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا يَعْنِي الْمِسْخَةَ جُعِلَتْ نَكَالًا لِمَا مَضَى مِنَ الذُّنُوبِ ، وَلِمَا تُعْمَلُ بَعْدَهَا ، وَيُقَالُ : بَيْنَ يَدَيْكَ كَذَا لِكُلِّ شَيْءٍ أَمَامَكَ ، قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَقَالَ الزَّجَّاجُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ أَرَادَ بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ الْكُتُبَ الْمُتَقَدِّمَةَ . انْتَهَى .
وَقَالَ الْخَفَاجِيُّ فِي عِنَايَةِ الرَّاضِي : وَقِيلَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيَكُونُ بَيْنَ يَدَيْهِ عِبَارَةٌ عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ ، فَإِنَّهُ قد يُرَادُ بِهِ مَا مَضَى ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَا سَيَأْتِي . انْتَهَى . وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ : يُقَالُ : إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ أَهْوَالًا ، أَيْ قُدَّامَهَا .
انْتَهَى . وَهَكَذَا فِي الْقَامُوسِ . وَفِي تَفْسِيرِ لُبَابِ التَّأْوِيلِ لِلْخَازِنِ : لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ مَجَازِ الْكَلَامِ ، وَذَلِكَ أَنَّ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ فَهُوَ أَمَامَهُ ، فَقِيلَ لِكُلِّ شَيْءٍ تَقَدَّمَ عَلَى الشَّيْءِ هُوَ بَيْنَ يَدَيْهِ لِغَايَةِ ظُهُورِهِ وَاشْتِهَارِهِ .
قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ : الْيَدَانِ تَسْتَعْمِلُهُمَا الْعَرَبُ فِي الْمَجَازِ عَلَى مَعْنَى التَّقْدِمَةِ ، تَقُولُ : هَذِهِ تَكُونُ فِي الْفِتَنِ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ ، يُرِيدُونَ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ ، تَشْبِيهًا وَتَمْثِيلًا بِمَا إِذَا كَانَتْ يَدَا الْإِنْسَانِ تَتَقَدَّمَانِهِ . انْتَهَى . قَالَ فِي الْمَدَارِكِ : مَا بَيْنَ أَيْدِينَا أَيْ لَهُ مَا قُدَّامَنَا .
وَقَالَ فِي الْجَلَالَيْنِ : مَا بَيْنَ أَيْدِينَا أَيْ أَمَامَنَا . وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بِلَفْظِ : إِنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّنُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ . وَالْحَاصِلُ أَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ يُسْتَعْمَلُ لِكُلِّ شَيْءٍ يَكُونُ قُدَّامَهُ وَأَمَامَهُ ، سَوَاءٌ كَانَ قَرِيبَهُ أَوْ بَعِيدَهُ .
وَالْمَعْنَى أَنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّنُ قُدَّامَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمَامَهُ إِذَا جَلَسَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، لَكِنْ لَا يُؤَذِّنُ قُدَّامَهُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ مُتَّصِلًا بِهِ كَمَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ الْآنَ فِي أَكْثَرِ بِلَادِ الْهِنْدِ ، إِلَّا مَا عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مَوْضِعَ الْأَذَانِ ، وَتَفُوتُ مِنْهُ فَائِدَةُ الْأَذَانِ ، بَلْ كَانَ يُؤَذِّنُ ( عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ ) وَهَذَا كَالتَّفْسِيرِ لِمَا بَيْنَ يَدَيْ ، لِأَنَّ بَيْنَ يَدَيْ بِمَعْنَى قُدَّامَ وَأَمَامَ وَهُمَا ظَرْفَانِ مُبْهَمَانِ . قَالَ فِي الْقَامُوسِ : قُدَّامَ كَزُنَّارِ ضِدُّ الْوَرَاءِ ، وَالْأَمَامُ نَقِيضُ الْوَرَاءِ ، كَقُدَّامِ يَكُونُ اسْمًا ظَرْفًا . انْتَهَى .
وَفَسَّرَ الْمُبْهَمَ مِنَ الْمَكَانِ بِالْجِهَاتِ السِّتِّ وَهِيَ : أَمَامَ وَخَلْفَ وَيَمِينَ وَشِمَالَ وَفَوْقَ وَتَحْتَ وَمَا فِي مَعْنَاهُ ، فَإِنَّ أَمَامَ زَيْدٍ مَثَلًا يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ مَا يُقَابِلُ وَجْهَهُ إِلَى انْقِطَاعِ الْأَرْضِ فَيَكُونُ مُبْهَمًا . قَالَهُ الْجَامِيُّ فِي شَرْحِ الْكَافِيَةِ . وَقَالَ بَعْضُ مُحَشِّيهِ : وَالْمُبْهَمُ هُوَ الَّذِي لَا حَدَّ وَلَا نِهَايَةَ لَهُ انْتَهَى .
فَتَعَيَّنَ أَنَّهُ لَا يُرَادُ بِقَوْلِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ قُدَّامَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ الْمِنْبَرِ بَلْ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا نَقَلَ حَافِظُ الْمَغْرِبِ أَبُو عُمَرَ بْنٌ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ الْإِمَامِ أَنَّ الْأَذَانَ بَيْنَ يَدَيِ الْإِمَامِ لَيسَ مِنَ الْأَمْرِ الْقَدِيمِ . وَقَالَ الزُّرْقَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمَوَاهِبِ : قَالَ الشَّيْخُ خَلِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي التَّوْضِيحِ شَرْحِ كِتَابِ ابْنِ الْحَاجِبِ : وَاخْتَلَفَ النَّقْلُ هَلْ كَانَ يُؤَذَّنُ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَوْ عَلَى الْمَنَارِ ، الَّذِي نَقَلَهُ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ كَانَ عَلَى الْمَنَارِ ، نَقَلَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ كِتَابٍ لَهُ . وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كَافِيهِ - اسْمِ كِتَابٍ لَهُ فِي الْفِقْهِ - عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْأَذَانَ بَيْنَ يَدَيِ الْإِمَامِ لَيْسَ مِنَ الْأَمْرِ الْقَدِيمِ انْتَهَى .
وَقَالَ فِي الْمِرْقَاةِ : نَقَلَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ بَلْ عَلَى الْمَنَارَةِ . انْتَهَى . وَقَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْحَاجِّ مُحَمَّدٍ الْمَالِكِيُّ فِي كِتَابِ الْمَدْخَلِ : إِنَّ السُّنَّةَ فِي أَذَانِ الْجُمُعَةِ إِذَا صَعِدَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ عَلَى الْمَنَارِ ، كَذَلِكَ كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم - ، وَكَانَ الْمُؤَذِّنُونَ ثَلَاثَةً يُؤَذِّنُونَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ ، ثُمَّ زَادَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ أَذَانًا آخَرَ بِالزَّوْرَاءِ وَأَبْقَى الْأَذَانَ الَّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمَنَارِ وَالْخَطِيبُ عَلَى الْمِنْبَرِ إِذْ ذَاكَ ، ثُمَّ إِنَّهُ لَمَّا أَنْ تَوَلَّى هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَخَذَ الْأَذَانَ الَّذِي فَعَلَهُ عُثْمَانُ بِالزَّوْرَاءِ وَجَعَلَهُ عَلَى الْمَنَارِ ، وَكَانَ الْمُؤَذِّنُ وَاحِدًا يُؤَذِّنُ عِنْدَ الزَّوَالِ ، ثُمَّ نَقَلَ الْأَذَانَ الَّذِي كَانَ عَلَى الْمَنَارِ حِينَ صُعُودِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَكَانُوا يُؤَذِّنُونَ ثَلَاثَةً فَجَعَلَهُمْ يُؤَذِّنُونَ جَمَاعَةً وَيَسْتَرِيحُونَ .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَسُنَّةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَى أَنْ تُتَّبَعَ ، فَقَدْ بَانَ أَنَّ فِعْلَ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ بَيْنَ يَدَيِ الْخَطِيبِ بِدْعَةٌ ، وَأَنَّ أَذَانَهُمْ جَمَاعَةً أَيْضًا بِدْعَةٌ أُخْرَى ، فَتَمَسَّكَ بَعْضُ النَّاسِ بِهَاتَيْنِ الْبِدْعَتَيْنِ ، وَهُمَا مِمَّا أَحْدَثَهُ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، ثُمَّ تَطَاوَلَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى صَارَ بَيْنَ النَّاسِ كَأَنَّهُ سُنَّةٌ مَعْمُولٌ بِهَا انْتَهَى كَلَامُهُ . وَمَا قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِّ حَسَنٌ جِدًّا ، غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَقِفْ عَلَى نَقْلٍ صَرِيحٍ أَنَّ الْمُؤَذِّنِينَ كَانُوا ثَلَاثَةً عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكُلُّهُمْ يُؤَذِّنُونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ ، بَلْ سَيَجِيءُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ بِلَالٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْحَاجِّ ، فَصْلٌ فِي النَّهْي عَنْ الْأَذَانِ فِي الْمَسْجِدِ : إِنَّ لِلْأَذَانِ ثَلَاثَةَ مَوَاضِعَ الْمَنَارَ وَعَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ وَعَلَى بَابِهِ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيُمْنَعُ مِنَ الْأَذَانِ فِي جَوْفِ الْمَسْجِدِ لِوُجُوهٍ ، أَحَدُهَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ مَنْ مَضَى ، الثَّانِي أَنَّ الْأَذَانَ إِنَّمَا هُوَ نِدَاءٌ لِلنَّاسِ لِيَأْتُوا إِلَى الْمَسْجِدِ وَمَنْ كَانَ فِيهِ فَلَا فَائِدَةَ لِنِدَائِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَحْصِيلُ حَاصِلٍ ، وَمَنْ كَانَ فِي بَيْتِهِ فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُهُ مِنَ الْمَسْجِدِ غَالِبًا ، وَإِذَا كَانَ الْأَذَانُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا فَائِدَةَ لَهُ ، وَمَا لَيْسَ فِيهِ فَائِدَةٌ يُمْنَعُ .
وَقَالَ فِي فَصْلِ مَوْضِعِ الْأَذَانِ : وَمِنَ السُّنَّةِ الْمَاضِيَةِ أَنْ يُؤَذِّنَ الْمُؤَذِّنُ عَلَى الْمَنَارِ ، فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ فَعَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ ، فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ فَعَلَى بَابِهِ . وَكَانَ الْمَنَارُ عِنْدَ السَّلَفِ بِنَاءً يَبْنُونَهُ عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ انْتَهَى . فَإِنْ قُلْتَ : قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ : وَإِذَا صَعِدَ الْإِمَامُ الْمِنْبَرَ جَلَسَ وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ بَيْنَ يَدَيِ الْمِنْبَرِ ، بِذَلِكَ جَرَى التَّوَارُثُ ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا هَذَا الْأَذَانُ انْتَهَى .
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْعَيْنِيُّ فِي الْبِنَايَةِ شَرْحِ الْهِدَايَةِ فِي تَفْسِيرِ التَّوَارُثِ يَعْنِي هَكَذَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْأَئِمَّةُ مِنْ بَعْدِهِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا ، وَلَفْظُ التَّوَارُثِ إِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي أَمْرِ له خَطَرٍ وَشَرَفٍ ، يُقَالُ : تَوَارَثَ الْمَجْدَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ أَيْ كَبِيرًا عَنْ كَبِيرٍ فِي الْقَدْرِ وَالشَّرَفِ ، وَقِيلَ : هِيَ حِكَايَةُ الْعَدْلِ عَنِ الْعَدْلِ انْتَهَى . قُلْتُ : هَذِهِ الْمَذْكُورَةُ عِبَارَةُ الْهِدَايَةِ ، وَهَكَذَا فِي عَامَّةِ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهمْ . وَمَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ الْخَطِيبَ إِذَا جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ أذن المؤذن أمام الخطيب ومستقبله عند المنبر ، ولا يبعد المؤذن عن المنبر بِحَيْثُ يَكُونُ عَلَى الْمَنَارَةِ أَوِ الْمِئْذَنَةِ ، أَوْ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ ، أَوْ عَلَى السَّطْحِ ، وَيَكُونُ الْمُؤَذِّنُ قَرِيبًا مِنَ الْخَطِيبِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ جَرَى التَّوَارُثُ .
وَأَنْتَ خَبِيرٌ أَنَّ الْفَقِيهَ الْإِمَامَ بُرْهَانَ الدِّينِ مُؤَلِّفَ الْهِدَايَةِ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْكِبَارِ ، لَكِنْ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ دَعْوَى التَّوَارُثِ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا بِنَقْلٍ صَرِيحٍ صَحِيحٍ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَلَمْ يَثْبُتْ قَطُّ فِيمَا أَعْلَمُ ، بَلْ تبْطلُ دَعْوَى التَّوَارُثِ مَا نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ مَالِكٍ الْإِمَامِ كَمَا تَقَدَّمَ . وَمَا وَقَعَ فِي تَفْسِيرِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنْ بُرْدِ بْنِ سِنَانَ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ مُعَاذٍ أَنَّ عُمَرَ أَمَرَ مُؤَذِّنَيْنِ أَنْ يُؤَذِّنَا لِلنَّاسِ الْجُمُعَةَ خَارِجًا مِنَ الْمَسْجِدِ ، حَتَّى يَسْمَعَ النَّاسُ ، وَأَمَرَ أَنْ يُؤَذَّنَ بَيْنَ يَدَيْهِ كَمَا كَانَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ : نَحْنُ ابْتَدَعْنَاهُ لِكَثْرَةِ الْمُسْلِمِينَ فَضَعِيفٌ جِدًّا ، قَالَ الْحَافِظُ : وَهَذَا الْأَثَرُ مُنْقَطِعٌ بَيْنَ مَكْحُولٍ وَمُعَاذٍ ، وَلَا يَثْبُتُ لِأَنَّ مُعَاذًا كَانَ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الشَّامِ فِي أَوَّلِ مَا غَزَوْا الشَّامَ ، وَاسْتَمَرَّ إِلَى أَنْ مَاتَ بِالشَّامِ فِي طَاعُونِ عَمْوَاسٍ ، وَقَدْ تَوَارَدَتِ الرِّوَايَاتُ أَنَّ عُثْمَانَ هُوَ الَّذِي زَادَهُ فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ انْتَهَى . وَجُوَيْبِرُ بْنُ سَعِيدٍ الْمُفَسِّرُ صَاحِبُ الضَّحَّاكِ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ قَالَهُ النَّسَائِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُمَا .
وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ : لَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَقَالَ الْجُوزَجانِيُّ : لَا يُشْتَغَلُ بِهِ . وَضَحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَوَثَّقَهُ الْأَكْثَرُونَ . وَاعْلَمْ أَنَّ أَذَانَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْأَذَانُ حِينَ صُعُودِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ لِمَا أَخْرَجَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ السَّائِبِ : كَانَ النِّدَاءُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَحَتَّى خِلَافَةِ عُثْمَانَ ، فَلَمَّا كَثُرَ النَّاسُ زَادَ النِّدَاءُ الثَّالِثُ عَلَى الزَّوْرَاءِ وَعِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عَامِرٍ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ السَّائِبِ : كَانَ ابْتِدَاءُ النِّدَاءِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَكَذَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ كَمَا فِي دُرِّ الْمَنْثُورِ .
وَحَدِيثُ أَذَانِ الْجُمُعَةِ مروِي مِنْ حَدِيثِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ وَابْنِ عُمَرَ وَسَعِيدِ بْنِ حَاطِبٍ . أَمَّا حَدِيثُ السَّائِبِ فَأَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ إِلَّا مُسْلِمًا ، وَأَيْضًا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدهِمَا ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ وَالْمَعْرِفَةِ ، وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ الْجَارُودِ فِي الْمُنْتَقَى ، وَيَدُورُ إِسْنَادُ حَدِيثِ السَّائِبِ عَلَى ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ ، وَرَوَى عَنِ الزُّهْرِيِّ سَبْعَةُ أَنْفُسٍ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبٍي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونِ وَعَقِيلُ بْنُ خَالِدٍ وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ وَصَالِحٌ وَسُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ لَكِنْ هَؤُلَاءِ السَّبْعَةُ غَيْرَ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، مَا ذَكَرُوا فِي رِوَايَتِهِ مَوْضِعَ الْأَذَانِ ، وَمَا قَالُوا لَفْظَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا غَيْرَهُ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُخْبِرَةِ لِتَعَيُّنِ الْمَكَانِ . نَعَمْ ذَكَرُوا وَقْتَ الْأَذَانِ وَهُوَ حِينَ جُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ ، وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فَذَكَرَ فِي رِوَايَتِهِ مَوْضِعَ الْأَذَانِ وَهُوَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ .
وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا خَرَجَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ أَذَّنَ بِلَالٌ وَفِي إِسْنَادِهِ مُصْعَبُ بْنُ سَلَامٍ ضَعَّفَهُ أَبُو دَاوُدَ كَذَا فِي التَّلْخِيصِ ، وَحَدِيثُ سَعِيدِ بْنِ حَاطِبٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ الْأُتْرُجِّيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ حَاطِبٍ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْرُجُ يَجْلِسُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، ثُمَّ يُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ ، فَإِذَا فَرَغَ قَامَ يَخْطُبُ كَذَا فِي الْإِصَابَةِ ، وَهَكَذَا فِي أُسْدِ الْغَابَةِ ، فَلَيْسَ فِي الْبَابِ أَيْ لِتَعْيِينِ مَكَانِ أَذَانِ الْجُمُعَةِ غَيْرُ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ هَذَا ثِقَةٌ حُجَّةٌ ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ جَرْحٌ ، وَمَا نُقِمَ عَلَيْهِ إِلَّا التَّدْلِيسُ ، وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَدْ عَنْعَنَ ، لَكِنْ ثَبَتَ سَمَاعُ مُحَمَّدٍ مِنْ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيثِ أَذَانِ الْجُمُعَةِ ، كَمَا أَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ ، ثَنَا أَبِي ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الزُّهْرِيُّ ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ابْنِ أُخْتِ نَمِرٍ قَالَ : لَمْ يَكُنْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ . قَالَ : كَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ إِذَا جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَيُقِيمُ إِذَا نَزَلَ ، وَلِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ حَتَّى كَانَ عُثْمَانُ انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ شَرْحِ الْمُوَطَّأِ بَعْدَ سَرْدِ الرِّوَايَاتِ : وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ : كَانَ يُؤَذَّنُ بَيْنَ يَدَي رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ذَكَرَه أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ يُونُسَ الَّذِي تَقَدَّمَ ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ هَذَا مَعَ حَدِيثِ مَالِكٍ وَيُونُسَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَذَانَ كَانَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا أَنَّ الْأَذَانَ الثَّانِيَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ ، وَالثَّالِثَ أَحْدَثَهُ عُثْمَانُ عَلَى الزَّوْرَاءِ انْتَهَى كَلَامُهُ .
فَهَذَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَدْ قَيَّدَ الْأَذَانَ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ الْإِمَامِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ ، وَلَمْ يَثْبُتْ حَرْفٌ وَاحِدٌ فِي الْأَذَانِ مُسْتَقْبِلَ الْإِمَامِ مُحَاذِيًا بِهِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ كَمَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ الْآنَ . فَإِنْ قُلْتَ : مَنْ أَذَّنَ فِي الْبَابِ كَيْفَ يَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ الْإِمَامِ وَمُسْتَقْبِلَهُ ؟ قُلْتُ : قَدْ عَرَفْتَ أَنَّ بَيْنَ يَدَيْ بِمَعْنَى أَمَامَ ، وَهُوَ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ مَا يُقَابِلُ وَجْهَهَ إِلَى انْقِطَاعِ الْأَرْضِ ، فَإِذَا أَذَّنَ الرَّجُلُ فِي بَابِ الْمَسْجِدِ صَارَ أَمَامَ الْخَطِيبِ وَمُسْتَقْبِلَهُ لِأَنَّ بَابَ الْمَسْجِدِ يَكُونُ غَالِبًا مُسْتَقْبِلَ الْمِنْبَرِ ، وَهَكَذَا حَالُ الْمَسَاجِدِ مِنْ خَيْرِ الْقُرُونِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا . أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ عَنِ الْمُسْتَمِرِّ بْنِ الرَّيَّانِ قَالَ : رَأَيْتُ أَنَسًا عِنْدَ الْبَابِ الْأَوَّلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَدِ اسْتَقْبَلَ الْمِنْبَرَ هَذَا مُلَخَّصٌ مِنْ غَايَةِ الْمَقْصُودِ وَالْمَطَالِبِ الرَّفِيعَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .