حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عون المعبود شرح سنن أبي داود

بَاب الْخُطْبَةِ قَائِمًا

حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ الْمَعْنَى عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، نا سِمَاكٌ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ : كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُطْبَتَانِ ، يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ، وَيُذَكِّرُ النَّاسَ . حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ ، نا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ : رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ قَائِمًا ، ثُمَّ يَقْعُدُ قَعْدَةً لَا يَتَكَلَّمُ ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ . ( خُطْبَتَانِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا ) قَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ دَلِيلٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَكْثَرِينَ أَنَّ خُطْبَةَ الْجُمُعَةِ لَا تَصِحُّ مِنَ الْقَادِرِ عَلَى الْقِيَامِ إِلَّا قَائِمًا فِي الْخُطْبَتَيْنِ ، وَلَا يَصِحُّ حَتَّى يَجْلِسَ بَيْنَهُمَا ، وَأَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَصِحُّ إِلَّا بِخُطْبَتَيْنِ .

قَالَ الْقَاضِي : ذَهَبَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ إِلَى اشْتِرَاطِ الْخُطْبَتَيْنِ لِصِحَّةِ الْجُمُعَةِ ، وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ وَرِوَايَةِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا تَصِحُّ بِلَا خُطْبَةٍ . وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْخُطْبَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا قَائِمًا لِمَنْ أَطَاقَهُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَصِحُّ قَاعِدًا وَلَيْسَ الْقِيَامُ بِوَاجِبٍ .

وَقَالَ مَالِكٌ : هُوَ وَاجِبٌ وَلَوْ تُرِكَ أَسَاءَ وَصَحَّتِ الْجُمُعَةُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالْجُمْهُورُ : الْجُلُوسُ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ سُنَّةٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَا شَرْطٍ ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ فَرْضٌ وَشَرْطٌ لِصِحَّةِ الْخُطْبَةِ . قَالَ الطَّحَاوِيُّ : لَمْ يَقُلْ هَذَا غَيْرُ الشَّافِعِيِّ .

دَلِيلُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ ثَبَتَ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي انْتَهَى كَلَامُهُ . وَقَالَ الرَّافِعِيُّ : وَاظَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْجُلُوسِ بَيْنَهُمَا انْتَهَى . وَاسْتَشْكَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِيجَابَ الْجُلُوسِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ .

وَقَالَ : إِنِ اُسْتُفِيدَ مِنْ فِعْلِهِ فَالْفِعْلُ بِمُجَرَّدِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَقْتَضِي الْوُجُوبَ ، وَلَوِ اقْتَضَاهُ لَوَجَبَ الْجُلُوسُ الْأَوَّلُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ الْأُولَى ، وَلَوْ وَجَبَ لَمْ يَدُلَّ عَلَى إِبْطَالِ الْجُمُعَةِ بِتَرْكِهِ . ( يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيُذَكِّرُ النَّاسَ ) فِيهِ دَلِيلٌ لِلشَّافِعَيَّ فِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْخُطْبَةِ الْوَعْظُ وَالْقِرَاءَةُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَصِحُّ الْخُطْبَتَانِ إِلَّا بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى وَالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِمَا وَالْوَعْظِ وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ وَاجِبَاتٌ فِي الْخُطْبَتَيْنِ ، وَتَجِبُ قِرَاءَةُ آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ فِي أَحَدَهِمَا عَلَى الْأَصَحِّ ، وَيَجِبُ الدُّعَاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الثَّانِيَةِ عَلَى الْأَصَحِّ .

وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْجُمْهُورُ : يَكْفِي مِنَ الْخُطْبَةِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ : يَكْفِي تَحْمِيدَةٌ أَوْ تَسْبِيحَةٌ أَوْ تَهْلِيلَةٌ ، وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ لا يُسَمَّى خُطْبَةً ، وَلَا يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودُهَا مَعَ مُخَالَفَتِهِ مَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَهُ النَّوَوِيُّ .

قُلْتُ : وَقَوْلُهُ يُذَكِّرُ النَّاسَ ، فِيهِ دَلِيلٌ صَرِيحٌ عَلَى أَنَّ الْخُطْبَةَ وَعْظٌ وَتَذْكِيرٌ لِلنَّاسِ ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ فِي خُطْبَتِهُ قَوَاعِدَ الْإِسْلَامِ وَشَرَائِعَهُ ، وَيَأْمُرُهُمْ وَيَنْهَاهُمْ فِي خُطْبَتِهِ إِذَا عَرَضَ لَهُ أَمْرٌ ، أَوْ نَهْي كَمَا أَمَرَ الدَّاخِلَ وَهُوَ يَخْطُبُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ ، وَنَهَى الْمُتَخَطِّيَ رِقَابَ النَّاسِ عَنْ ذَلِكَ وَأَمَرَهُ بِالْجُلُوسِ ، وَكَانَ يَدْعُو الرَّجُلَ فِي خُطْبَتِهِ تَعَالَ اجْلِسْ يَا فُلَانُ ، وَكَانَ يَأْمُرُهُمْ بِمُقْتَضَى الْحَالِ فِي خُطْبَتِهِ ، فَلَا بُدَّ لِلْخَطِيبِ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ ، وَيَعِظَ بِهِ وَيَأْمُرَ ، وَيَنْهَى وَيُبَيِّنَ الْأَحْكَامَ الْمُحْتَاجُ إِلَيْهَا ، فَإِنْ كَانَ السَّامِعُونَ أَعَاجِمَ يُتَرْجِمُ بِلِسَانِهِمْ ، فَإِنَّ أَثَرَ التَّذْكِيرِ وَالْوَعْظِ فِي غَيْرِ بِلَادِ الْعَرَبِ لَا يَحْصُلُ وَلَا يُفِيدُ إِلَّا بِالتَّرْجَمَةِ بِلِسَانِهِمْ . وَحَدِيثُ جَابِرٍ هَذَا هُوَ أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ . وَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ الْآيَةَ .

قَالَ فِي جَامِعِ الْبَيَانِ : أَيْ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ مَا أُمِرُوا بِهِ فَيَفْهَمُوهُ بِلَا كُلْفَةٍ . وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ بُعِثَ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ بِصَرَائِحِ الدَّلَائِلِ ، لَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ بِلُغَةِ مَنْ هُوَ فِيهِمْ حَتَّى يَفْهَمُوا ، ثُمَّ يَنْقُلُوهُ وَيُتَرْجِمُوهُ انْتَهَى . فَإِنْ قُلْتَ : إِنْ كَانَتْ التَّرْجَمَةُ تَجُوزُ فِي الْخُطْبَةِ ، فَتَجُوزُ قِرَاءَةُ تَرْجَمَةِ الْقُرْآنِ أَيْضًا فِي الصَّلَاةِ ، فَإِنْ صَلَّى وَاحِدٌ وَقَرَأَ تَرْجَمَةَ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ مَثَلًا مَكَانَ الْفَاتِحَةِ ، صَحَّتْ صَلَاتُهُ .

قُلْتُ : كَلَّا ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ قَطُّ . وَالْقِيَاسُ عَلَى الْخُطْبَةِ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ ، لِأَنَّ الْخُطْبَةَ لَيْسَ فِيهَا أَلْفَاظٌ مَخْصُوصَةٌ وَأَذْكَارٌ مُعَيَّنَةٌ ، بَلْ إِنَّمَا هِيَ التَّذْكِيرُ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَالصَّلَاةُ لَيْسَتْ بِتَذْكِيرٍ ، بَلْ إِنَّمَا هِيَ ذِكْرٌ ، وَبَيْنَ التَّذْكِيرِ وَالذِّكْرِ فَرْقٌ عَظِيمٌ ، وَلَا بُدَّ فِي الصَّلَاةِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ فَلَفْظُ اقْرَءُوا صِيغَةُ أَمْرٍ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ ، وَلَا يُمْتَثَلُ الْأَمْرُ إِلَّا بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بِالنَّظْمِ الْعَرَبِيِّ ، كَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا ، وَوَصَلَ إِلَيْنَا بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ ، لِأَنَّ مَنْ يَقْرَأْ تَرْجَمَتَهُ فِي الصَّلَاةِ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ ، بَلْ هُوَ خَالَفَ الْأَمْرَ الْمَأْمُورَ بِهِ ، فَكَيْفَ يَجُوزُ قِرَاءَةُ تَرْجَمَةِ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ ، بَلْ هُوَ مَمْنُوعٌ . وَأَمَّا الْخُطْبَةُ فَهِيَ تَذْكِيرٌ ، فَلَا بُدَّ لِلْخَطِيبِ أَنْ يُفْهِمَ مَعَانِي الْقُرْآنِ بَعْدَ قِرَاءَتِهِ ، وَيُذَكِّرُ السَّامِعِينَ بِلِسَانِهِمْ ، وَإِلَّا فَيَفُوتُ مَقْصود الْخُطْبَةِ .

هَكَذَا قَالَهُ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ نَذِيرٌ حُسَيْنٌ الْمُحَدِّثُ الدَّهْلَوِيُّ . كَذَا فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ مُلَخَّصًا . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ2 حديثان
موقع حَـدِيث