بَاب رَفْعِ الْيَدَيْنِ عَلَى الْمِنْبَرِ
بَابُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عَلَى الْمِنْبَرِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، نا زَائِدَةُ ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : رَأَى عُمَارَةُ بْنُ رُوَيْبَةَ ، بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ وَهُوَ يَدْعُو فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ فَقَالَ عُمَارَةُ : قَبَّحَ اللَّهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ ، قَالَ زَائِدَةُ : قَالَ حُصَيْنٌ : حَدَّثَنِي عُمَارَةُ قَالَ : لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ مَا يَزِيدُ عَلَى هَذِهِ يَعْنِي السَّبَّابَةَ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ . بَابُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عَلَى الْمِنْبَرِ مَا حُكْمُهُ ، وَبَوَّبَ التِّرْمِذِيُّ بَابَ كَرَاهِيَةِ رَفْعِ الْأَيْدِي عَلَى الْمِنْبَرِ ، وَبَوَّبَ النَّسَائِيُّ بِقَوْلِهِ بَابُ الْإِشَارَةِ فِي الْخُطْبَةِ وَبَوَّبَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ بَابَ الرَّجُلِ يَخْطُبُ يُشِيرُ بِيَدِهِ . ( عُمَارَةُ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ ( ابْنُ رُوَيْبَةَ ) بِالتَّصْغِيرِ ( وَهُوَ ) أَيْ بِشْرُ بْنُ مَرْوَانَ ( يَدْعُو فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ ) وَلَفْظُ مُسْلِمٍ وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ وَأَبِي عَوَانَةَ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ رُوَيْبَةَ قَالَ : رَأَى بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ رَافِعًا يَدَيْهِ .
وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ عَنْ حُصَيْنٍ بِلَفْظِ رَفَعَ يَدَيْهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ . وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ : نَا حُصَيْنٌ ، قَالَ : سَمِعْتُ عُمَارَةَ وَبِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ يَخْطُبُ فَرَفَعَ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ . وَلَفْظُ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ : ثَنَا حُصَيْنٌ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ رُوَيْبَةَ أَنَّهُ رَأَى بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ رَافِعًا يَدَيْهِ يُشِيرُ بِأُصْبُعَيْهِ يَدْعُو فَقَالَ : لَعَنَ اللَّهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ ، وَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَلَى الْمِنْبَرِ يَدْعُو وَهُوَ يُشِيرُ بِإِصْبَعٍ قَالَ فِي الْمِرْقَاةِ : قَوْلُهُ رَافِعًا يَدَيْهِ أَيْ عِنْدَ التَّكَلُّمِ كَمَا هُوَ دَأْبُ الْوُعَّاظِ إِذَا حَمُوا ، يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ الْآتِي : وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الْمُسَبِّحَةِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ .
وَقَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ لَا يَرْفَعَ الْيَدَ فِي الْخُطْبَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ . وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ إِبَاحَتَهُ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَفَعَ يَدَيْهِ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ حِينَ اسْتَسْقَى . وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ بِأَنَّ هَذَا الرَّفْعُ كَانَ لِعَارِضٍ .
انْتَهَى . وَفِي الْمُصَنَّفِ لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ : حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ : قُلْتُ لَهُ : كَيْفَ كَانَ يَخْطُبُ النُّعْمَانُ ؟ قَالَ : كَانَ يَلْمَعُ بِيَدَيْهِ ، قَالَ : وَكَانَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ إِذَا خَطَبَ ضَمَّ يَدَهُ عَلَى فِيهِ . حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : أُذِنَ الْإِمَام يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْ يُشِيرَ بِيَدِهِ حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيِّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ خَالِدٍ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ : كَانُوا يَسْتَأْذِنُونَ الْإِمَامَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَلَمَّا كَانَ زِيَادٌ ، وَكَثُرَ ذَلِكَ قَالَ : مَنْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى أَنْفِهِ فَهُوَ إِذْنُهُ .
انْتَهَى . قُلْتُ : وَهَلِ الْمُرَادُ فِي حَدِيثِ عُمَارَةَ بِالرَّفْعِ الْمَذْكُورِ رَفْعُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الدُّعَاءِ عَلَى الْمِنْبَرِ ، أَوِ الْمُرَادُ رَفْعُ الْيَدَيْنِ لَا وَقْتَ الدُّعَاءِ بَلْ عِنْدَ التَّكَلُّمِ كَمَا هُوَ دَأْبُ الْوُعَّاظِ وَالْقُصَّاصِ أَنَّهُمْ يُحَرِّكُونَ أَيْدِيَهمْ يَمِينًا وَشِمَالًا ، يُنَبِّهُونَ السَّامِعِينَ عَلَى الِاسْتِمَاعِ . فَحَدِيثُ عُمَارَةَ يَدُورُ إِسْنَادُهُ عَلَى حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَرُوَاتُهُ اخْتَلَفُوا عَلَيْهِ ، فَرِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ وَأَبِي عَوَانَةَ وَسُفْيَانَ كُلُّهمْ عَنْ حُصَيْنٍ تَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي ، وَلِذَا بَوَّبَ النَّسَائِيُّ بَابَ الْإِشَارَةِ فِي الْخُطْبَةِ ، وَبَوَّبَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ الرَّجُلَ يَخْطُبُ يُشِيرُ بِيَدِهِ ، وَهَكَذَا فَهِمَ الطِّيبِيُّ .
وَرِوَايَةُ هُشَيْمٍ وَزَائِدَةَ وَابْنِ فُضَيْلٍ كُلُّهمْ عَنْ حُصَيْنٍ تَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ ، وَهَكَذَا فَهِمَ النَّوَوِيُّ ، وَأَمَّا تَرْجَمَةُ الْمُؤَلِّفِ وَكَذَا التِّرْمِذِيِّ فَمُتَحَمِّلٌ لِمَعْنَيَيْنِ ، وَعِنْدِي لِلْمَعْنَى الثَّانِي تَرْجِيحٌ مِنْ وَجْهَيْنِ : الْأَوَّلُ أَنَّ أَبَا عَوَانَةَ الْوَضَّاحَ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ إِدْرِيسَ أَوْثَقُ وَأَثْبَتُ مِنْ هُشَيْمِ بْنِ بَشِيرٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ ، وَإِنْ كَانَ زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ مِثْلَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ فِي الْحِفْظِ ، فَتُعَارَضُ رِوَايَةُ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ الْحُفَّاظِ بِرِوَايَةِ زَائِدَةَ بْنِ قُدَامَةَ ، وَالْعَدَدُ الْكَثِيرُ أَوْلَى بِالْحِفْظِ . وَالثَّانِي : أَنَّ قَوْلَهَ الْآتِي لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ مَا يَزِيدُ عَلَى هَذِهِ يَعْنِي السَّبَّابَةَ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ يُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى الْأَخِيرَ ، لِأَنَّ رَفْعَ الْيَدَيْنِ فِي الدُّعَاءِ لَيْسَ مَأْثُورًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ ، بَلْ أَرَادَ الرَّاوِي أَنَّ رَفْعَ الْيَدَيْنِ كِلْتَيْهِمَا لِتَخَاطُبِ السَّامِعِينَ لَيْسَ مِنْ دَأْبِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، بَلْ إِنَّمَا يُشِيرُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ . انْتَهَى مُخْتَصَرًا مِنْ غَايَةِ الْمَقْصُودِ .
( قَبَّحَ اللَّهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ ) دُعَاءٌ عَلَيْهِ أَوْ إِخْبَارٌ عَنْ قُبْحِ صُنْعِهِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى : تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ ( وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : نَبَرَ الشَّيْءَ رَفَعَهُ وَمِنْهُ الْمِنْبَرُ بِكَسْرِ الْمِيمِ ( مَا يَزِيدُ عَلَى هَذِهِ ) وَلَفْظُ مُسْلِمٍ مَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ بِيَدِهِ هَكَذَا ، وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ الْمُسَبِّحَةِ وَلَفْظُ النَّسَائِيِّ مَا زَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى هَذَا ، وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ قَالَ الطِّيبِيُّ : وَالْمَعْنَى أَيْ يُشِيرُ عِنْدَ التَّكَلُّمِ فِي الْخُطْبَةِ بِأُصْبُعِهِ يُخَاطِبُ النَّاسَ وَيُنَبِّهُهُمْ عَلَى الِاسْتِمَاعِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ .