بَاب مَتَى يَقْصُرُ الْمُسَافِرُ
بَابُ مَتَى يَقْصُرُ الْمُسَافِرُ حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، نا شُعْبَةُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَزِيدَ الْهُنَائِيِّ قَالَ : سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ، عَنْ قَصْرِ الصَّلَاةِ فَقَالَ أَنَسٌ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ أَوْ ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ شُعْبَةُ شَكَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ . بَابُ مَتَى يَقْصُرُ الْمُسَافِرُ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ : بَابٌ فِي كَمْ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ . ( إِذَا خَرَجَ مَيسِرَةَ ثَلَاثةِ أَمْيَالٍ ) : اخْتُلِفَ فِي تَقْدِيرِ الْمِيلِ فَقَالَ فِي الْفَتْحِ : الْمِيلُ هُوَ مِنَ الْأَرْضِ مُنْتَهَى مَدِّ الْبَصَرِ ؛ لِأَنَّ الْبَصَرَ يَمِيلُ عَنْهُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ حَتَّى يَفْنَى إِدْرَاكُهُ ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْجَوْهَرِيُّ ، وَقِيلَ : أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الشَّخْصِ فِي أَرْضٍ مُسْتَوِيَةٍ فَلَا يَدْرِي أَرْجُلٌ هُوَ أَمِ امْرَأَةٌ ، أَو ذَاهِبٌ أَوْ آتٍ .
قَالَ النَّوَوِيُّ : الْمِيلُ سِتَّةُ آلَافِ ذِرَاعٍ ، وَالذِّرَاعُ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ إِصْبَعًا مُعْتَرِضَةٌ مُعْتَدِلَةٌ ، وَالْإِصْبَعُ سِتُّ شُعَيْرَاتٍ مُعْتَرِضَةٍ مُعْتَدِلَةٍ . قَالَ الْحَافِظُ : وَهَذَا الَّذِي قَالَ هُوَ الْأَشْهَرُ . وَمِنْهُمْ مَنْ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفِ قَدَمٍ يقَدَمِ الْإِنْسَانِ ، وَقِيلَ : هُوَ أَرْبَعَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ ، وَقِيلَ : ثَلَاثَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ .
نَقَلَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ ، وَقِيلَ : خَمْسُمِائَةٍ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَقِيلَ : أَلْفَا ذِرَاعٍ . وَمِنْهُمْ مَنْ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِأَلْفِ خُطْوَةٍ لِلْجَمَلِ . قَالَ : ثُمَّ إِنَّ الذَّارِعَ الَّذِي ذَكَرَ النَّوَوِيُّ تَحْرِيرُهُ قَدْ حُرِّرَه غَيْرُهُ بِذِرَاعِ الْحَدِيدِ الْمَشْهُورِ فِي مِصْرَ وَالْحِجَازِ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ فَوَجَدَهُ يَنْقُصُ عَنْ ذِرَاعِ الْحَدِيدِ بِقَدْرِ الثُّمُنِ ، فَعَلَى هَذَا ؛ فَالْمِيلُ بِذِرَاعِ الْحَدِيدِ فِي الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ خَمْسَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ وَمِائَتَانِ وَخَمْسُونَ ذِرَاعًا ( أَوْ ثَلَاثَةُ فَرَاسِخَ ) : الْفَرْسَخُ فِي الْأَصْلِ السُّكُونُ ، ذَكَرَهُ ابْنُ سِيدَهْ ، وَقِيلَ : السَّعَةُ ، وَقِيلَ : الشَّيْءُ الطَّوِيلُ ، وَذَكَرَ الْفَرَّاءُ أَنَّ الْفَرْسَخَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ .
وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ الْخِلَافُ الطَّوِيلُ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ فِي مِقْدَارِ الْمَسَافَةِ الَّتِي يَقْصُرُ فِيهَا الصَّلَاةُ . قَالَ فِي الْفَتْحِ : فَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ فِيهَا نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ قَوْلًا ، أَقَلُّ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَأَكْثَرُهُ مَا دَامَ غَائِبًا عَنْ بَلَدِهِ ، وَقِيلَ : أَقَلُّ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ الْمِيلِ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ أبي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ ، وَاحْتَجَّ لَهُ بِإِطْلَاقِ السَّفَرِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى كَقَوْلِهِ : وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ الْآيَةَ . وَفِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ، قَالَ : فَلَمْ يَخُصَّ اللَّهُ وَلَا رَسُولُهُ وَلَا الْمُسْلِمُونَ بِأَجْمَعِهِمْ سَفَرًا مِنْ سَفَرٍ ، ثُمَّ احْتَجَّ عَلَى تَرْكِ الْقَصْرِ فِيمَا دُونَ الْمِيلِ بِأَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَدْ خَرَجَ إِلَى الْبَقِيعِ لِدَفْنِ الْمَوْتَى وَخَرَجَ إِلَى الْفَضَاءِ لِلْغَائِطِ وَالنَّاسُ مَعَهُ فَلَمْ يَقْصُرْ وَلَا أَفْطَرَ .
وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِ حَدِيثِ أَنَسٍ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ الظَّاهِرِيَّةُ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ ، فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ أَقَلَّ مَسَافَةِ الْقَصْرِ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ . قَالَ فِي الْفَتْحِ : وَهُوَ أَصَحُّ حَدِيثٍ وَرَدَ فِي ذَلِكَ وَأَصْرَحُهُ . وَقَدْ حَمَلَهُ مَنْ خَالَفَهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْمَسَافَةُ الَّتِي يُبْتَدَأُ مِنْهَا الْقَصْرُ لَا غَايَةَ السَّفَرِ .
قَالَ : وَلَا يَخْفَى بَعْدَ هَذَا الْحَمْلِ ، مَعَ أَنَّ الْبَيْهَقِيَّ ذَكَرَ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ يَحْيَى بْنَ يَزِيدَ رَاوِيهِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : سَأَلْتُ أَنَسًا عَنْ قَصْرِ الصَّلَاةِ ، وَكُنْتُ أَخْرُجُ إِلَى الْكُوفَةِ ، يَعْنِي مِنَ الْبَصْرَةِ ، فَأُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى أَرْجِعَ ، فَقَالَ أَنَسٌ : فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . قَالَ : فَظَهَرَ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ جَوَازِ الْقَصْرِ فِي السَّفَرِ لَا عَنِ الْمَوْضِعِ الَّذِي يَبْتَدِئُ الْقَصْرَ مِنْهُ . وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَصْحَابُهُمَا وَاللَّيْثُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَفُقَهَاءُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَغَيْرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي مَسِيرَةِ مَرْحَلَتَيْنِ ، وَهُمَا ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا هَاشِمِيَّةٌ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْكُوفِيُّونَ : لَا يَقْصُرُ فِي أَقَلِّ مِنْ ثَلَاثِ مَرَاحِلَ . وَقَدْ أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اخْتِيَارَهُ أَنَّ أَقَلَّ مَسَافَةِ الْقَصْرِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، يَعْنِي قَوْلَهُ فِي صَحِيحِهِ : وَسَمَّى النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ السَّفَرَ يَوْمًا وَلَيْلَةً ، بَعْدَ قَوْلِهِ : بَابٌ فِي كَمْ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : إِنْ ثَبَتَ هَذَا الْحَدِيثُ كَانَتِ الثَّلَاثَةُ فَرَاسِخُ حَدًّا فِيمَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ ، إِلَّا أَنِّي لَا أَعْرِفُ أَحَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ يَقُولُ بِهِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَمْسَةِ فَرَاسِخَ . وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : إِنِّي لَا أُسَافِرُ السَّاعَةَ مِنَ النَّهَارِ فَأَقْصُرُ ، وَعَنْ عَلِيٍّ : أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى الْبَجِيلَةِ فَصَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَجَعَ مِنْ يَوْمِهِ . وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ : قَالَ لِي جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ : أَقْصُرُ بِعَرَفَةَ .
فَأَمَّا مَذْهَبُ الْفُقَهَاءِ فَإِنَّ الْأَوْزَاعِيَّ قَالَ : عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُونَ مَسِيرَةُ يَوْمٍ تَامٍّ ، وَبِهَذَا نَأْخُذُ . وَقَالَ مَالِكٌ : الْقَصْرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى عُسَفَانَ وَإِلَى الطَّائِفِ وَإِلَى جَدَّةَ ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ ، وَإِلَى نَحْوِهِ أَشَارَ الشَّافِعِيُّ حِينَ قَالَ : لَيْلَتَيْنِ قَاصِدَتَيْنِ . وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَالزُّهْرِيِّ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ قَالَا : يَقْصُرُ فِي مَسِيرَةِ يَوْمَيْنِ .
وَاعْتَمَدَ الشَّافِعِيُّ فِي ذَلِكَ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ حِينَ سُئِلَ فَقِيلَ لَهُ : نَقْصُرُ إِلَى عَرَفَةَ ؟ قَالَ : لَا ، وَلَكِنْ إِلَى عُسَفَانَ وَإِلَى جَدَّةَ وَإِلَى الطَّائِفِ . وَرُوِي عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلُ ذَلِكَ ، وَهُوَ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ ، وَهَذَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ . وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا يَقْصُرُ إِلَّا فِي مَسَافَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ .
انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .