بَاب إِذَا أَقَامَ بِأَرْضِ الْعَدُوِّ يَقْصُرُ
بَابُ إِذَا أَقَامَ بِأَرْضِ الْعَدُوِّ يَقْصُرُ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : . أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : غَيْرُ مَعْمَرٍ لَا يُسْنِدُهُ .
بَابُ إِذَا أَقَامَ بِأَرْضِ الْعَدُوِّ يَقْصُرُ ( يَقْصُرُ الصَّلَاةَ ) وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَقْدِيرِ الْمُدَّةِ الَّتِي يَقْصُرُ فِيهَا الْمُسَافِرُ إِذَا أَقَامَ بِبَلْدَةٍ وَكَانَ مُتَرَدِّدًا غَيْرَ عَازِمٍ عَلَى إِقَامَةِ أَيَّامٍ مَعْلُومَةٍ ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْزِمْ إِقَامَةَ مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ كَمُنْتَظِرِ الْفَتْحِ يَقْصُرُ إِلَى شَهْرٍ وَيُتِمُّ بَعْدَهُ ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الشَّافِعِيِّ إِلَى أَنَّهُ يَقْصُرُ أَبَدًا لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّفَرُ . وَمَا رُوِيَ مِنْ قَصْرِهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي مَكَّةَ وَتَبُوكَ دَلِيلٌ لَهُمْ لَا عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّهُ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَصَرَ مُدَّةَ إِقَامَتِهِ ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى التَّمَامِ فِيمَا بَعْدَ تِلْكَ الْمُدَّةِ ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَقَامَ بِحُنَيْنٍ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ ، وَلَكِنَّهُ قَالَ : تَفَرَّدَ بِهِ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ وَهُوَ غَيْرُ مُحْتَجٍّ بِهِ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ أَنَّهُ يُتِمُّ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : وَالْحَقُّ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُقِيمِ الْإِتْمَامُ ؛ لِأَنَّ الْقَصْرَ لَمْ يَشْرَعْهُ الشَّارِعُ إِلَّا لِلْمُسَافِرِ ، وَالْمُقِيمُ غَيْرُ مُسَافِرٍ ، فَلَوْلَا مَا ثَبَتَ عَنْهُ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مِنْ قَصْرِهِ بِمَكَّةَ وَتَبُوكَ مَعَ الْإِقَامَةِ لَكَانَ الْمُتَعَيَّنَ هُوَ الْإِتْمَامُ ، فَلَا يُنْتَقَلُ عَنْ ذَلِكَ الْأَصْلِ إِلَّا بِدَلِيلٍ ، وَقَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى الْقَصْرِ مَعَ التَّرَدُّدِ إِلَى عِشْرِينَ يَوْمًا كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ ، وَلَمْ يَصِحَّ أَنَّهُ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَصَرَ فِي الْإِقَامَةِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، فَيَقْتَصِرُ عَلَى هَذَا الْمِقْدَارِ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ قَصْرَهُ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ لَا يَنْفِي الْقَصْرَ فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا ، وَلَكِنْ مُلَاحَظَةُ الْأَصْلِ الْمَذْكُورَ هِيَ الْقَاضِيَةُ بِذَلِكَ ( غَيْرُ مَعْمَرٍ لَا يَسْنِدُهُ ) وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ مَعْمَرٍ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حَزْمٍ وَالنَّوَوِيُّ وَأَعَلَّهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ بِالْإِرْسَالِ وَالِانْقِطَاعِ ، وَأَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْمُبَارَكِ وَغَيْرَهُ مِنَ الْحُفَّاظِ رَوَوْهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنِ ابْنِ ثَوْبَانَ مُرْسَلًا ، وَأَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَنَسٍ فَقَالَ : بِضْعَ عَشَرَةَ ، وَبِهَذَا اللَّفْظِ رَوَاهُ جَابِرٌ ، أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .