حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عون المعبود شرح سنن أبي داود

بَاب مَا يَقُولُ الرَّجُلُ إِذَا سَلَّمَ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ طُلَيْقِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو رَبِّ أَعِنِّي ، وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ ، وَانْصُرْنِي ، وَلَا تَنْصُرْ عَلَيَّ ، وَامْكُرْ لِي ، وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ ، وَاهْدِنِي ، وَيَسِّرْ هُدَايَ إِلَيَّ ، وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي لَكَ شَاكِرًا ، لَكَ ذَاكِرًا لَكَ رَاهِبًا لَكَ مِطْوَاعًا إِلَيْكَ مُخْبِتًا أَوْ مُنِيبًا رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي ، وَاغْسِلْ حَوْبَتِي ، وَأَجِبْ دَعْوَتِي ، وَثَبِّتْ حُجَّتِي ، وَاهْدِ قَلْبِي ، وَسَدِّدْ لِسَانِي ، وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ قَلْبِي . حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نا يَحْيَى ، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ : سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ مُرَّةَ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ ، قَالَ : وَيَسِّرْ الْهُدَى إِلَيَّ وَلَمْ يَقُلْ : هُدَايَ . ( يَدْعُو رَبِّ أَعِنِّي ) : أَيْ وَفِّقْنِي لِذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ ( وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ ) : أَيْ لَا تُغَلِّبْ عَلَيَّ مَنْ يَمْنَعُنِي مِنْ طَاعَتِكَ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ( وَانْصُرْنِي وَلَا تَنْصُرْ عَلَيَّ ) : أَيْ أَغْلِبْنِي عَلَى الْكُفَّارِ وَلَا تُغَلِّبْهُمْ عَلَيَّ أَوِ انْصُرْنِي عَلَى نَفْسِي فَإِنَّهَا أَعْدَى أَعْدَائِي وَلَا تَنْصُرِ النَّفْسَ الْأَمَارَةَ عَلَيَّ بِأَنْ أَتَّبِعَ الْهَوَى وَأَتْرُكَ الْهُدَى ( وَامْكُرْ لِي وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ ) : قَالَ الطِّيبِيُّ : الْمَكْرُ الْخِدَاعُ وَهُوَ مِنَ اللَّهِ إِيقَاعُ بَلَائِهِ بِأَعْدَائِهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ، وَقِيلَ : اسْتِدْرَاجُ الْعَبْدِ بِالطَّاعَةِ فَيَتَوَهَّمُ أَنَّهَا مَقْبُولَةٌ وَهِيَ مَرْدُودَةٌ .

وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ : الْمَكْرُ الْحِيلَةُ وَالْفِكْرُ فِي دَفْعِ عَدُوٍّ بِحَيْثُ لَا يَشْعُرُ بِهِ الْعَدُوُّ ، فَالْمَعْنَى : اللَّهُمَّ اهْدِنِي إِلَى طَرِيقِ دَفْعِ أَعْدَائِي عَنِّي وَلَا تَهْدِ عَدُوِّي إِلَى طَرِيقِ دَفْعِهِ إِيَّايَ عَنْ نَفْسه ( وَاهْدِنِي ) : أَيْ دُلَّنِي عَلَى الْخَيْرَاتِ أَوْ عَلَى عُيُوبِ نَفْسِهِ ( وَيَسِّرْ هُدَايَ إِلَيَّ ) : أَيْ سَهِّلِ اتِّبَاعَ الْهِدَايَةِ أَوْ طُرُقَ الدَّلَالَةِ لِي حَتَّى لَا أَسْتَثْقِلَ الطَّاعَةَ وَلَا أَشْتَغِلَ عَنِ الْعِبَادَةِ ( وَانْصُرْنِي ) : أَيْ بِالْخُصُوصِ ( عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ ) : أَيْ ظَلَمَنِي وَتَعَدَّى عَلَيَّ ، وَهَذَا تَخْصِيصٌ لِقَوْلِهِ وَانْصُرْنِي فِي الْأَوَّلِ ( لَكَ شَاكِرًا ) : قَدَّمَ الْمُتَعَلِّقَ لِلِاهْتِمَامِ وَالِاخْتِصَاصِ أَوْ لِتَحْقِيقِ مَقَامِ الْإِخْلَاصِ أَيْ عَلَى النَّعْمَاءِ وَالْآلَاءِ ( لَكَ ذَاكِرًا ) : فِي الْأَوْقَاتِ وَالْآنَاءِ ( لَكَ رَاهِبًا ) : أَيْ خَائِفًا فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ . وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ : أَيْ مُنْقَطِعًا عَنِ الْخَلْقِ ( لَكَ مِطْوَاعًا ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ مِفْعَالٌ لِلْمُبَالَغَةِ أَيْ كَثِيرَ الطَّوْعِ وَهُوَ الِانْقِيَادُ وَالطَّاعَةُ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مُطِيعًا أَيْ مُنْقَادًا ( إِلَيْكَ مُخْبِتًا ) قَالَ السُّيُوطِيُّ : هُوَ مِنَ الْإِخْبَاتِ وَهُوَ الْخُشُوعُ وَالتَّوَاضُعُ . انْتَهَى .

وَفِي الْمِرْقَاةِ أَيْ خَاضِعًا خَاشِعًا مُتَوَاضِعًا مِنَ الْخَبْتِ وَهُوَ الْمُطَمْئِنُّ مِنَ الْأَرْضِ ، يُقَالُ : أَخْبَتَ الرَّجُلُ إِذَا نَزَلَ الْخَبْتَ ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَ الْخَبْتَ اسْتِعْمَالَ اللِّينِ وَالتَّوَاضُعِ . قَالَ تَعَالَى : وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أَيِ اطْمَأَنُّوا إِلَى ذِكْرِهِ ( أَوْ مُنِيبًا ) : شَكٌّ لِلرَّاوِي قَالَ فِي النِّهَايَةِ : الْإِنَابَةُ الرُّجُوعُ إِلَى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ يُقَالُ أَنَابَ إِذَا أَقْبَلَ وَرَجَعَ أَيْ إِلَيْكَ رَاجِعًا ( رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي ) : بِجَعْلِهَا صَحِيحَةً بِشَرَائِطِهَا وَاسْتِجْمَاعِ آدَابِهَا فَإِنَّهَا لَا تَتَخَلَّفُ عَنْ حَيِّزِ الْقَبُولِ . قَالَ تَعَالَى : وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ( وَاغْسِلْ حَوْبَتِي ) : بِفَتْحِ الْحَاءِ وَيُضَمُّ أَيِ امْحُ ذَنْبِي ، وَالْحُوبُ بِالضَّمِّ مَصْدَرٌ وَالْحَابُ الْإِثْمُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ مَزْجُورًا عَنْهُ ، إذ الْحُوبُ فِي الْأَصْلِ لِزَجْرِ الْإِبِلِ ، وَذَكَرَ الْمَصْدَرَ دُونَ الْإِثْمِ وَهُوَ الْحُوبُ ، لِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ مِنْ فِعْلِ الذَّنْبِ أَبْلَغُ مِنْهُ مِنْ نَفْسِ الذَّنْبِ ( وَأَجِبْ دَعْوَتِي ) : أَيْ دُعَائِي ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ الْمَكِّيِّ ذُكِرَ لِأَنَّهُ مِنْ فَوَائِدِ قَبُولِ التَّوْبَةِ ، فَمُوهِمٌ أَنَّهُ لَا تُجَابُ دَعْوَةُ غَيْرِ التَّائِبِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لِمَا صَحَّ مِنْ أَنَّ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ وَإِنْ كَانَ فَاجِرًا ، وَفِي رِوَايَةٍ : وَلَوْ كَانَ كَافِرًا .

( وَثَبِّتْ حُجَّتِي ) : أَيْ عَلَى أَعْدَائِكَ فِي الدُّنْيَا وَالْعُقْبَى ( وَاهْدِ قَلْبِي ) : أَيْ إِلَى مَعْرِفَةِ رَبِّي ( وَسَدِّدْ ) : أَيْ صَوِّبْ وَقَوِّمْ ( لِسَانِي ) : حَتَّى لَا يَنْطِقَ إِلَّا بِالصِّدْقِ وَلَا يَتَكَلَّمَ إِلَّا بِالْحَقِّ ( وَاسْلُلْ ) : بِضَمِّ اللَّامِ الْأُولَى أَيْ أَخْرِجْ ( سَخِيمَةَ قَلْبِي ) : أَيْ غِشَّهُ وَغِلَّهُ وَحِقْدَهُ وَحَسَدَهُ وَنَحْوَهَا مِمَّا يَنْشَأُ مِنَ الصَّدْرِ وَيَسْكُنُ فِي الْقَلْبِ مِنْ مَسَاوِئِ الْأَخْلَاقِ قَالَهُ عَلِيٌّ الْقَارِيُّ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ .

ورد في أحاديث2 حديثان
هذا المحتوى شرحٌ لـ2 حديثان
موقع حَـدِيث