بَاب فِي الِاسْتِغْفَارِ
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، نا حَمَّادٌ ، عَنْ ثَابِتٍ ، وَعَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، وَسَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ : أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ قَالَ : كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ ، فَلَمَّا دَنَوْا مِنْ الْمَدِينَةِ كَبَّرَ النَّاسُ ، وَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ ، وَلَا غَائِبًا إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ بَيْنَكُمْ ، وَبَيْنَ أَعْنَاقِ رِكَابِكُمْ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا أَبَا مُوسَى أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ ؟ فَقُلْتُ : وَمَا هُوَ قَالَ : لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ . ( وَعَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ) : بْنِ جُدْعَانَ ( وَسَعِيدٍ ) : ابْنِ إِيَاسٍ ( الْجَرِيرِيُّ ) : فَحَمَّادٌ يَرْوِي عَنْ ثَلَاثَةِ شُيُوخٍ عَنْ ثَابِتٍ وَعَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ وَسَعِيدٍ الْجَرِيرِيِّ وَكُلُّهُمْ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ ( إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ ) : اللَّهَ بِالتَّكْبِيرِ أَوْ لَا تَذْكُرُونَ ( أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا ) : الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لَكُمْ إِلَى الْجَهْرِ الْبَلِيغِ وَرَفْعِ الصَّوْتِ كَثِيرًا فَإِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ أَعْنَاقِ رِكَابِكُمْ ) : بَلْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ، فَهُوَ بِحَسَبِ مُنَاسَبَةِ الْمَقَامِ تَمْثِيلٌ وَتَقْرِيبٌ إِلَى فَهْمِ اللَّبِيبِ ، وَالْمَعْنَى قُرْبُ التَّقْرِيبِ ، وَكِنَايَةٌ عَنْ كَمَالِ قُرْبِهِ إِلَى الْعَبْدِ ( عَلَى كَنْزٍ ) : أَيْ عَظِيمٍ ( مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ ) : سَمَّى هَذِهِ الْكَلِمَةَ الْآتِيَةَ كَنْزًا لِأَنَّهَا كَالْكَنْزِ فِي نَفَاسَتِهِ وَصِيَانَتِهِ مِنْ أَعْيُنِ النَّاسِ أَوْ أَنَّهَا مِنْ ذَخَائِرِ الْجَنَّةِ أَوْ مِنْ مُحَصِّلَاتِ نَفَائِسِ الْجَنَّةِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : الْمَعْنَى أَنَّ قَوْلَهَا يُحَصِّلُ ثَوَابًا نَفِيسًا يُدَّخَرُ لِصَاحِبِهِ فِي الْجَنَّةِ ( قَالَ لَا حَوْلَ ) : أَيْ لَا حَرَكَةَ فِي الظَّاهِرِ ( وَلَا قُوَّةَ ) : أَيْ لَا اسْتِطَاعَةَ فِي الْبَاطِنِ ( إِلَّا بِاللَّهِ ) : أَوْ لَا تَحْوِيلَ عَنْ شَيْءٍ وَلَا قُوَّةَ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ وَقُوَّتِهِ .
وَقِيلَ : الْحَوْلُ الْحِيلَةُ إِذْ لَا دَفْعَ وَلَا مَنْعَ إِلَّا بِاللَّهِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : هِيَ كَلِمَةُ اسْتِسْلَامٍ وَتَفْوِيضٍ وَأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ مِنْ أَمْرِهِ شَيْئًا وَلَيْسَ لَهُ حِيلَةٌ فِي دَفْعِ شَرٍّ وَلَا قُوَّةٌ فِي جَلْبِ خَيْرٍ إِلَّا بِإِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى انْتَهَى . قَالَ الْقَارِيُّ : وَالْأَحْسَنُ مَا وَرَدَ فِيهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقُلْتُهَا فَقَالَ : تَدْرِي مَا تَفْسِيرُهَا قُلْتُ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ .
قَالَ : لَا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِلَّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ وَلَا قُوَّةَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إِلَّا بِعَوْنِ اللَّهِ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ . وَلَعَلَّ تَخْصِيصَهُ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بِالطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ لِأَنَّهُمَا أَمْرَانِ مُهِمَّانِ فِي الدِّينِ .