بَاب فِي الِاسْتِعَاذَةِ
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، نا حَمَّادٌ أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ : . اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْفَقْرِ وَالْقِلَّةِ وَالذِّلَّةِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ . ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ ) : أَيْ مِنْ قَلْبٍ حَرِيصٍ عَلَى جَمْعِ الْمَالِ أَوْ مِنَ الَّذِي يُفْضِي بِصَاحِبِهِ إِلَى كُفْرَانِ النِّعْمَةِ فِي الْمَالِ وَنِسْيَانِ ذِكْرِ الْمُنْعِمِ الْمُتَعَالِ .
وَقَالَ الطِّيبِيُّ : أَرَادَ فَقْرَ النَّفْسِ أَعْنِي الشَّرَهَ الَّذِي يُقَابِلُ غِنَى النَّفْسِ الَّذِي هُوَ قَنَاعَتُهَا ( وَالْقِلَّةِ ) : الْقِلَّةِ فِي أَبْوَابِ الْبِرِّ وَخِصَالِ الْخَيْرِ ، لِأَنَّهُ عَلَيْهِ ـ الصَّلَاةُ السَّلَامُ ـ كَانَ يُؤْثِرُ الْإِقْلَالَ فِي الدُّنْيَا وَيَكْرَهُ الِاسْتِكْثَارَ مِنَ الْأَعْرَاضِ الْفَانِيَةِ ( وَالذِّلَّةِ ) : أَيْ مِنْ أَنْ أَكُونَ ذَلِيلًا فِي أَعْيُنِ النَّاسِ بِحَيْثُ يَسْتَخِفُّونَهُ وَيُحَقِّرُونَ شَأْنَهُ ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الذِّلَّةُ الْحَاصِلَةُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ أَوِ التَّذَلُّلُ لِلْأَغْنِيَاءِ عَلَى وَجْهِ الْمَسْكَنَةِ وَالْمُرَادُ بِهَذِهِ الْأَدْعِيَةِ تَعْلِيمُ الْأُمَّةِ . قَالَ الطِّيبِيُّ : أَصْلُ الْفَقْرِ كَسْرُ فَقَارِ الظَّهْرِ ، وَالْفَقْرُ يُسْتَعْمَلُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ ، الْأَوَّلُ : وُجُودُ الْحَالَةِ الضَّرُورِيَّةِ ، وَذَلِكَ عَامٌّ لِلْإِنْسَانِ مَا دَامَ فِي الدُّنْيَا ، بَلْ عَامٌّ فِي الْمَوْجُودَاتِ كُلِّهَا ، وَعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَالثَّانِي : عَدَمُ الْمُقْتَنَيَاتِ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ و إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالثَّالِثُ : فَقْرُ النَّفْسِ وَهُوَ الْمُقَابِلُ بِقَوْلِهِ : الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ وَالْمَعْنَى بِقَوْلِهِمْ مِنْ عَدَمِ الْقَنَاعَةِ لَمْ يُفِدْهُ الْمَالُ غِنًى . الرَّابِعُ : الْفَقْرُ إِلَى اللَّهِ الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ : اللَّهُمَّ اغْنَنِي بِالِافْتِقَارِ إِلَيْكَ وَلَا تُفْقِرْنِي بِالِاسْتِغْنَاءِ عَنْكَ ، وَإِيَّاهُ عَنَى تَعَالَى بِقَوْلِهِ : رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْـزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ وَالْمُسْتَعَاذُ مِنْهُ فِي الْحَدِيثِ هُوَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ ، وَإِنَّمَا اسْتَعَاذَ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مِنَ الْفَقْرِ الَّذِي هُوَ فَقْرُ النَّفْسِ لَا قِلَّةُ الْمَالِ ( مِنْ أَنْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ ) : مَعْلُومٌ وَمَجْهُولٌ ، وَالظُّلْمُ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ أَوِ التَّعَدِّي فِي حَقِّ غَيْرِهِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ عِيَاضٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ .