حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عون المعبود شرح سنن أبي داود

بَاب مَا تَجُوزُ فِيهِ الْمَسْأَلَةُ

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رَبَابٍ حَدَّثَنِي كِنَانَةُ بْنُ نُعَيْمٍ الْعَدَوِيُّ ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلَالِيِّ قَالَ : تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : أَقِمْ يَا قَبِيصَةُ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا ثُمَّ قَالَ : يَا قَبِيصَةُ ، إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ ، فَسَأَلَ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَاجْتَاحَتْ مَالَهُ ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ فَسَأَلَ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ أَوْ قَالَ : سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُولَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَى مِنْ قَوْمِهِ : قَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا الْفَاقَةُ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ ، فَسَأَلَ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ أَوْ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ ، ثُمَّ يُمْسِكُ ، وَمَا سِوَاهُنَّ مِنْ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتٌ يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا ( عَنْ قَبِيصَةَ ) : بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ فَمُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ فَصَادٌ مُهْمَلَةٌ ( بْنِ مُخَارِقٍ ) : بِضَمِّ الْمِيمِ فَخَاءٌ مُعْجَمَةٌ فَرَاءٌ مَكْسُورَةٌ بَعْدَ الْأَلِفِ فَقَافٌ ( الْهِلَالِيِّ ) : وَفَدَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - عِدَادُهُ فِي أَهْلِ الْبَصْرَةِ رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ قَطَنٌ وَغَيْرُهُ ( قَالَ تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً ) : بِفَتْحِ الْحَاءِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ مَا يَتَحَمَّلُهُ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ دِيَةٍ أَوْ غَرَامَةٍ لِدَفْعِ وُقُوعِ حَرْبٍ يَسْفِكُ الدِّمَاءَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ . ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلِكِ . قَالَ الطِّيبِيُّ : أَيْ مَا يَتَحَمَّلُهُ الْإِنْسَانُ مِنَ الْمَالِ أَيْ يَسْتَدِينُهُ وَيَدْفَعُهُ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ فَتَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ إِذَا لَمْ تَكُنِ الْحَمَالَةُ فِي الْمَعْصِيَةِ .

وَفِي النَّيْلِ : وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْحَمَّالَةَ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ لِتَسْكِينِ فِتْنَةٍ . وَقَدْ كَانَتِ الْعَرَبُ إِذَا وَقَعَتْ بَيْنَهُمْ فِتْنَةٌ اقْتَضَتْ غَرَامَةً فِي دِيَةٍ أَوْ غَيْرِهَا قَامَ أَحَدُهُمْ فَتَبَرَّعَ بِالْتِزَامِ ذَلِكَ وَالْقِيَامِ بِهِ حَتَّى تَرْتَفِعَ تِلْكَ الْفِتْنَةُ الثَّائِرَةُ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ ، وَكَانُوا إِذَا عَلِمُوا أَنَّ أَحَدَهُمْ تَحَمَّلَ حَمَالَةً بَادَرُوا إِلَى مَعُونَتِهِ وَأَعْطَوْهُ مَا تَبْرَأُ بِهِ ذِمَّتُهُ ، وَإِذَا سَأَلَ لِذَلِكَ لَمْ يُعَدَّ نَقْصًا فِي قَدْرِهِ بَلْ فَخْرًا ( فَقَالَ أَقِمْ ) : أَمْرٌ مِنَ الْإِقَامَةِ بِمَعْنَى اثْبُتْ وَاصْبِرْ وَكُنْ فِي الْمَدِينَةِ مُقِيمًا ( حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ ) : أَيْ يَحْضُرُنَا مَالُهَا ( فَنَأْمُرُ لَكَ بِهَا ) : أَيْ بِالصَّدَقَةِ أَوْ بِالْحَمَالَةِ ( ثُمَّ قَالَ يَا قَبِيصَةُ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ ) : أَيِ السُّؤَالُ وَالشَّحْذَةُ ( لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ ) : فِي شَرْحِ ابْنِ الْمَلِكِ قَالُوا : هَذَا بَحْثُ سُؤَالِ الزَّكَاةِ ، وَأَمَّا سُؤَالُ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ فَمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى كَسْبٍ لِكَوْنِهِ زَمِنًا أَوْ ذَا عِلَّةٍ أُخْرَى جَازَ لَهُ السُّؤَالُ بِقَدْرِ قُوتِ يَوْمِهِ وَلَا يَدَّخِرُ ، وَكَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ فَتَرَكَهُ لِاشْتِغَالِ الْعِلْمِ جَازَ لَهُ الزَّكَاةُ وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ ، فَإِنْ تَرَكَهُ لِاشْتِغَالِ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ وَصِيَامِهِ لَا تَجُوزُ لَهُ الزَّكَاةُ وَيُكْرَهُ لَهُ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ . قَالَهُ فِي الْمِرْقَاةِ .

( رَجُلٍ ) : بِالْجَرِّ بَدَلٌ مِنْ أَحَدِ وَقَالَ ابْنُ الْمَلِكِ مِنْ ثَلَاثَةٍ ، وَبِالرَّفْعِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ( تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ ) : أَيْ حَازَتْ بِشَرْطِ أَنْ يَتْرُكَ الْإِلْحَاحَ وَالتَّغْلِيظَ فِي الْخِطَابِ ( حَتَّى يُصِيبَهَا ) : أَيْ إِلَى أَنْ يَجِدَ الْحَمَالَةَ أَوْ يَأْخُذَ الصَّدَقَةَ ( ثُمَّ يُمْسِكُ ) : أَيْ عَنِ السُّؤَالِ يَعْنِي إِذَا أَخَذَ مِنَ الصَّدَقَاتِ مَا يُؤَدِّي ذَلِكَ الدَّيْنَ لَا يَجُوزُ أَخْذُ شَيْءٍ آخَرَ مِنْهَا . ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلِكِ ( أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ ) : أَيْ آفَةٌ وَحَادِثَةٌ مُسْتَأْصِلَةٌ مِنْ جَاحَهُ يَجُوحُهُ إِذَا اسْتَأْصَلَهُ وَهِيَ الْآفَةُ الْمُهْلِكَةُ لِلثِّمَارِ وَالْأَمْوَالِ ( فَاجْتَاحَتْ ) : أَيِ اسْتَأْصَلَتْ وَأَهْلَكَتْ ( مَالَهُ ) : مِنْ ثِمَارِ بُسْتَانِهِ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَمْوَالِ ( فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ ) : أَيْ سُؤَالُ الْمَالِ مِنَ النَّاسِ ( حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا ) : بِكَسْرِ الْقَافِ أَيْ إِلَى أَنْ يُدْرِكَ مَا تَقُومُ بِهِ حَاجَتُهُ الضَّرُورِيَّةُ ( مِنْ عَيْشٍ ) : أَيْ مَعِيشَةٍ مِنْ قُوتٍ وَلِبَاسٍ ( أَوْ قَالَ ) : شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ( سِدَادًا ) : بِالْكَسْرِ مَا يُسَدُّ بِهِ الْفَقْرُ وَيُدْفَعُ وَيَكْفِي الْحَاجَةَ ( وَرَجُلٌ ) : أَيْ غَنِيٌّ ( أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ ) : أَيْ حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ اشْتُهِرَ بِهَا بَيْنَ قَوْمِهِ ( حَتَّى يَقُولَ ) : أَيْ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ ( ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَى ) : بِكَسْرِ الْحَاءِ وَفَتْحِ الْجِيمِ مَقْصُورًا أَيِ الْعَقْلِ الْكَامِلِ ( أَصَابَتْ فُلَانًا الْفَاقَةُ ) : أَيْ يَقُولُ ثَلَاثَةٌ مِنْ قَوْمِهِ هَذَا الْقَوْلَ ؛ لِأَنَّهُمْ أَخَبَرُ بِحَالِهِ ، وَالْمُرَادُ الْمُبَالَغَةُ فِي ثُبُوتِ الْفَاقَةِ . ( فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ ) : أَيْ فَبِسَبَبِ هَذِهِ الْقَرَائِنِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ صَارَتْ حَلَالًا لَهُ ( وَمَا سِوَاهُنَّ ) : أَيْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ ( سُحْتٌ ) : بِضَمَّتَيْنِ وَبِسُكُونِ الثَّانِي وَهُوَ الْأَكْثَرُ هُوَ الْحَرَامُ لَا يَحِلُّ كَسْبُهُ ؛ لِأَنَّهُ يُسْحِتُ الْبَرَكَةَ أَيْ يُذْهِبُهَا ( يَأْكُلُهَا ) : أَيْ يَأْكُلُ مَا يَحْصُلُ لَهُ بِالْمَسْأَلَةِ ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ .

وَالْحَاصِلُ يَأْكُلُ حَاصِلَهَا . قَالَ فِي السُّبُلِ : يَأْكُلُ أَيِ الصَّدَقَةَ أُنِّثَ لِأَنَّهُ جَعَلَ السُّحْتَ عِبَارَةً عَنْهَا وَإِلَّا فَالضَّمِيرُ لَهُ ، انْتَهَى . ( صَاحِبُهَا سُحْتًا ) : نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ أَوْ بَدَلٍ مِنَ الضَّمِيرِ فِي يَأْكُلُهَا أَوْ حَالًا قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ : وَتَأْنِيثُ الضَّمِيرِ بِمَعْنَى الصَّدَقَةِ وَالْمَسْأَلَةِ .

وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا تَحْرُمُ الْمَسْأَلَةُ إِلَّا لِثَلَاثَةٍ : الْأَوَّلُ لِمَنْ تَحَمَّلَ حَمَالَةً وَذَلِكَ أَنْ يَتَحَمَّلَ الْإِنْسَانُ عَنْ غَيْرِهِ دَيْنًا أَوْ دِيَةً ، أَوْ يُصَالِحُ بِمَالٍ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ فَإِنَّهَا تَحِلُّ لَهُ الْمَسْأَلَةُ . وَظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهُ مِنْ مَالِهِ وَهَذَا هُوَ أَحَدُ الْخَمْسَةِ الَّذِي يَحِلُّ لَهُمْ أَخْذُ الصَّدَقَةِ ، وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ كَمَا سَلَفَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ . وَالثَّانِي مَنْ أَصَابَ مَالَهُ آفَةٌ سَمَاوِيَّةٌ ، أَوْ أَرْضِيَّةٌ كَالْبَرْدِ وَالْغَرَقِ وَنَحْوِهِ ، بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لَهُ مَا يَقُومُ بِعَيْشِهِ حَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يَحْصُلَ لَهُ مَا يَقُومُ بِحَالِهِ وَيَسُدُّ خَلَّتَهُ ، وَالثَّالِثُ مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ ، وَلَكِنْ لَا تَحِلُّ لَهُ الْمَسْأَلَةُ إِلَّا بِشَرْطِ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ - لِأَنَّهُمْ أَخْبَرُ بِحَالِهِ - ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْعُقُولِ لَا مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْغَبَاوَةُ وَالتَّغْفِيلُ ، وَإِلَى كَوْنِهِمْ ثَلَاثَةً ذَهَبَتِ الشَّافِعِيَّةُ لِلنَّصِّ فَقَالُوا : لَا يُقْبَلُ فِي الْإِعْسَارِ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةٍ ، وَذَهَبَ غَيْرُهُمْ إِلَى كِفَايَةِ الِاثْنَيْنِ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الشَّهَادَاتِ وَحَمَلُوا الْحَدِيثَ عَلَى النَّدْبِ ، ثُمَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْغِنَى ثُمَّ افْتَقَرَ ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ يَحِلُّ لَهُ السُّؤَالُ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا لَهُ بِالْفَاقَةِ يُقْبَلُ قَوْلُهُ .

وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى تَحْرِيمِ السُّؤَالِ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَإِنَّهَا تَسْقُطُ بِهِ الْعَدَالَةُ . وَالظَّاهِرُ مِنَ الْأَحَادِيثِ تَحْرِيمُ السُّؤَالِ إِلَّا لثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورِينَ أَوْ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَسْئُولُ السُّلْطَانَ كَمَا سَلَفَ كَذَا فِي السُّبُلِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث