حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، نَا جَرِيرٌ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ خَيْرَ الصَّدَقَةِ مَا تَرَكَ غِنًى ، أَوْ تُصُدِّقَ بِهِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ ( إِنَّ خَيْرَ الصَّدَقَةِ مَا تَرَكَ غِنًى ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُتَأَوَّلُ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَتْرُكَ غِنًى لِلْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ بِأَنْ يُجْزِلَ لَهُ الْعَطِيَّةَ ، وَالْآخَرُ أَنْ يَتْرُكَ غِنًى لِلْمُتَصَدِّقِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِقَوْلِهِ : ( وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ ) : أَيْ لَا تُضَيِّعْ عِيَالَكَ وَتَتَفَضَّلْ عَلَى غَيْرِهِمْ . قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ : وَإِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ ؛ لِأَنَّ مَنْ تَصَدَّقَ بِالْجَمِيعِ يَنْدَمُ غَالِبًا أَوْ قَدْ يَنْدَمُ إِذَا احْتَاجَ ، وَيَوَدُّ أَنَّهُ لَمْ يَتَصَدَّقْ بِخِلَافِ مَنْ بَقِيَ بَعْدَهَا مُسْتَغْنِيًا ، فَإِنَّهُ لَا يَنْدَمُ عَلَيْهَا بَلْ يُسَرُّ بِهَا . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الصَّدَقَةِ بِجَمِيعِ مَالِهِ فَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ مسْتَحَبُّ لِمَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ ، وَلَا لَهُ عِيَالٌ لَا يَصْبِرُونَ ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَصْبِرُ عَلَى الْإِضَاقَةِ وَالْفَقْرِ ، فَإِنْ لَمْ يَجْتَمِعُ هَذِهِ الشُّرُوطُ فَهُوَ مَكْرُوهٌ . قَالَ الْقَاضِي : جَوَّزَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَأَئِمَّةُ الْأَمْصَارِ الصَّدَقَةَ بِجَمِيعِ مَالِهِ ، وَقِيلَ : يُرَدُّ جَمْيعُهَا . وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقِيلَ : يَنْفُذُ فِي الثُّلُثِ هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الشَّامِ ، وَقِيلَ : إِنْ زَادَ عَلَى النِّصْفِ رُدَّتِ الزِّيَادَةُ ، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ مَكْحُولٍ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ : وَمَعَ جَوَازِهِ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَفْعَلَهُ وَأَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الثُّلُثِ . وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ فِيهِ تَقْدِيمُ نَفَقَةِ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ ؛ لِأَنَّهَا مُنْحَصِرَةٌ فِيهِ بِخِلَافِ نَفَقَةِ غَيْرِهِمْ ، وَفِيهِ الِابْتِدَاءُ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ فِي الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ بِنَحْوِهِ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيْ فِي جَوَازِ التَّصَدُّقِ بِجَمِيعِ الْمَالِ .
المصدر: عون المعبود شرح سنن أبي داود
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-36/h/362492
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة