بَاب الْمَرْأَةِ تَتَصَدَّقُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا أَنْفَقَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ كَسْبِ زَوْجِهَا مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ ، فَلَهَا نِصْفُ أَجْرِهِ ( إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ ) : أَيْ تَصَدَّقَتْ ( مِنْ كَسْبِ زَوْجِهَا ) : أَيْ مِنْ مَالِهِ ( مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ ) : أَيْ مَعَ عِلْمِهَا بِرِضَا الزَّوْجِ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى النَّوْعِ الَّذِي سُومِحَتْ فِيهِ مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ ( فَلَهَا نِصْفُ أَجْرِهِ ) : قِيلَ : هَذَا مُفَسَّرٌ بِمَا إِذَا أَخَذَتْ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا أَكْثَرَ مِنْ نَفَقَتِهَا وَتَصَدَّقَتْ بِهِ فَعَلَيْهَا غُرْمُ مَا أَخَذَتْ أَكْثَرَ مِنْهَا ، فَإِذَا عَلِمَ الزَّوْجُ وَرَضِيَ بِذَلِكَ ، فَلَهَا نِصْفُ أَجْرِهِ بِمَا تَصَدَّقَتْ مِنْ نَفَقَتِهَا وَنِصْفُ أَجْرِهِ لَهُ بِمَا تَصَدَّقَتْ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ نَفَقَتِهَا ؛ لِأَنَّ الْأَكْثَرَ حَقُّ الزَّوْجِ . قَالَهُ الْقَارِيُّ . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْعَامِلِ وَهُوَ الْخَازِنُ وَفِي الزَّوْجَةِ وَالْمَمْلُوكِ مِنْ إِذْنِ الْمَالِكِ فِي ذَلِكَ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَذِنَ أَصْلًا فَلَا أَجْرَ لِأَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ بَلْ عَلَيْهِمْ وِزْرٌ بِتَصَرُّفِهِمْ فِي مَالِ غَيْرِهِمْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ .
وَالْإِذْنُ ضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا : الْإِذْنُ الصَّرِيحُ فِي النَّفَقَةِ وَالصَّدَقَةِ . وَالثَّانِي : الْإِذْنِ الْمَفْهُومِ مِنِ اطِّرَادِ الْعُرْفِ ، كَإِعْطَاءِ السَّائِلِ كِسْرَةً وَنَحْوَهَا مِمَّا جَرَتِ الْعَادَةُ ، وَاطِّرَادُ الْعُرْفِ فِيهِ وَعُلِمَ بِالْعُرْفِ رِضَاءُ الزَّوْجِ وَالْمَالِكِ بِهِ ، فَإِذْنُهُ فِي ذَلِكَ حَاصِلٌ وَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ ، وَهَذَا إِذَا عُلِمَ رِضَاهُ لِاطِّرَادِ الْعُرْفِ وَعُلِمَ أَنَّ نَفْسَهُ كَنُفُوسِ غَالِبِ النَّاسِ فِي السَّمَاحَةِ بِذَلِكَ وَالرِّضَاءِ بِهِ ، فَإِنِ اضْطَرَبَ الْعُرْفُ وَشُكَّ فِي رِضَاهُ أَوْ كَانَ شَحِيحًا يَشِحُّ بِذَلِكَ وَعُلِمَ مِنْ حَالِهِ ذَلِكَ أَوْ شُكَّ فِيهِ لَمْ يَجُزْ لِلْمَرْأَةِ وَغَيْرِهَا التَّصَدُّقُ فِي مَالِهِ إِلَّا بِصَرِيحِ إِذْنِهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ كَسْبِهِ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَلَهَا نِصْفُ أَجْرِهِ فَمَعْنَاهُ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ الصَّرِيحِ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ الْمُعَيَّنِ ، وَيَكُونُ مَعَهَا إِذْنٌ عَامٌّ سَابِقٌ مُتَنَاوِلٌ لِهَذَا الْقَدْرِ وَغَيْرِهِ ، وَذَلِكَ الْإِذْنُ الَّذِي قَدْ بَيَّنَاهُ سَابِقًا إِمَّا بِالصَّرِيحِ وَإِمَّا بِالْعُرْفِ ، لَا بُدَّ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ الْأَجْرَ مُنَاصَفَةً .
وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا إِذَا أَنْفَقَتْ مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ صَرِيحٍ وَلَا مَعْرُوفٍ مِنَ الْعُرْفِ فَلَا أَجْرَ لَهَا بَلْ عَلَيْهَا وِزْرٌ فَتَعَيَّنَ تَأْوِيلُهُ . وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ مَفْرُوضٌ فِي قَدْرٍ يَسِيرٍ يُعْلَمُ رِضَاءُ الْمَالِكِ بِهِ فِي الْعَادَةِ ، فَإِنْ زَادَ عَلَى التَّعَارُفِ لَمْ يَجُزْ ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامٍ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ فَأَشَارَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَدْرٌ يُعْلَمُ رِضَا الزَّوْجِ بِهِ فِي الْعَادَةِ ، وَبَيَّنَهُ بِالطَّعَامِ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ يُسْمَحُ بِهِ فِي الْعَادَةِ بِخِلَافِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فِي حَقِّ أَكْثَرِ النَّاسِ وَفِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْوَالِ . وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِنَفَقَةِ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَالْخَازِنِ النَّفَقَةُ عَلَى عِيَالِ صَاحِبِ الْمَالِ وَغِلْمَانِهِ وَمَصَالِحِهِ وَقَاصِدِيهِ مِنْ ضَيْفٍ وَابْنِ سَبِيلٍ وَنَحْوِهِمَا ، وَكَذَلِكَ صَدَقَتُهُمُ الْمَأْذُونُ فِيهَا بِالصَّرِيحِ أَوِ الْعُرْفِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - انْتَهَى .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، انْتَهَى . قُلْتُ : حَدِيثُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بْنِ هَمَّامٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْبُيُوعِ عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْفَرٍ ، وَفِي النَّفَقَاتِ عَنْ يَحْيَى . وَمُسْلِمٌ فِي الزَّكَاةِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ .
وَالْمُؤَلِّفُ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْخَلَّالِ كُلِّهِمْ ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ ، وَلَفْظُ مُسْلِمٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تَصُمِ الْمَرْأَةُ وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ، وَلَا تَأْذَنْ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ، وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ كَسْبِهِ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَإِنَّ نِصْفَ أَجْرِهِ لَهُ وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ قَوِيٌّ مُتَّصِلُ الْإِسْنَادِ لَيْسَ فِيهِ عِلَّةٌ ، اتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى إِخْرَاجِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .