حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عون المعبود شرح سنن أبي داود

بَاب فِي الْمَرْأَةِ تَحُجُّ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ

بَابٌ فِي الْمَرْأَةِ تَحُجُّ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ ، نَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ لَيْلَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا رَجُلٌ ذُو حُرْمَةٍ مِنْهَا . بَاب فِي الْمَرْأَةِ تَحُجُّ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ ، وَذُو الْمَحْرَمِ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا مِنَ الْأَقَارِبِ كَالْأَبِ وَالِابْنِ وَالْأَخِ وَالْعَمِّ وَمَنْ يَجْرِي مَجْرَاهُمْ . ( ذُو حُرْمَةٍ ) : بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بِمَعْنَى ذِي الْمَحْرَمِ ، فَذُو حُرْمَةٍ وَذُو الْمَحْرَمِ كِلَاهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ .

قُلْتُ : وَرَدَ حَدِيثُ نَهْيِ السَّفَرِ لِلْمَرْأَةِ بِغَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ ، فَفِي رِوَايَةٍ : لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ ثَلَاثًا إِلَّا مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ : فَوْقَ ثَلَاث ، وَفِي رِوَايَةٍ : ثَلَاثَةً ، وَفِي رِوَايَةٍ : لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ ثَلَاثِ لَيَالٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ : لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ يَوْمَيْنِ مِنَ الدَّهْرِ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا أَوْ زَوْجُهَا ، وَفِي رِوَايَةٍ : نَهَى أَنْ تُسَافِرَ الْمَرْأَةُ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ ، وَفِي رِوَايَةٍ : لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ تُسَافِرُ مَسِيرةَ لَيْلَةً إِلَّا وَمَعَهَا ذُو حُرْمَةٍ مِنْهَا ، وَفِي رِوَايَةٍ : لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ : مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ : لَا تُسَافِرِ امْرَأَةٌ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ . هَذِهِ رِوَايَاتُ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ . وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ : لَا تُسَافِرْ بَرِيدًا وَالْبَرِيدُ مَسِيرَةُ نِصْفِ يَوْمٍ ، قَالَ الْعُلَمَاءُ : اخْتِلَافُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ لِاخْتِلَافِ السَّائِلِينَ ، وَاخْتِلَافِ الْمَوَاطِنِ ، وَلَيْسَ فِي النَّهْيِ عَنِ الثَّلَاثَةِ تَصْرِيحٌ بِإِبَاحَةِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ أَوِ الْبَرِيدِ .

قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : كَأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْأَلُ عَنِ الْمَرْأَةِ تُسَافِرُ ثَلَاثًا بِغَيْرِ مَحْرَمٍ ، فَقَالَ : لَا ، وَسُئِلَ عَنْ سَفَرِهَا يَوْمَيْنِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ فَقَالَ : لَا ، وَسُئِلَ عَنْ سَفَرِهَا يَوْمًا فَقَالَ : لَا ، وَكَذَلِكَ الْبَرِيدُ ، فَأَدَّى كُلٌّ مِنْهُمْ مَا سَمِعَهُ وَمَا جَاءَ مِنْهَا مُخْتَلِفًا عَنْ رَاوٍ وَاحِدٍ فَسَمِعَهُ فِي مَوَاطِنَ ، فَرَوَى تَارَةً هَذَا ، وَتَارَةً هَذَا ، وَكُلُّهُ صَحِيحٌ ، وَلَيْسَ فِي هَذَا كُلِّهِ تَحْدِيدٌ لِأَقَلِّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ السَّفَرِ ، وَلَمْ يُرِدْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَحْدِيدَ أَقَلِّ مَا يُسَمَّى سَفَرًا . فَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ مَا يُسَمَّى سَفَرًا تُنْهَى عَنْهُ الْمَرْأَةُ بِغَيْرِ زَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ ، سَوَاءً كَانَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ يَوْمًا أَوْ بَرِيدًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ لِرِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُطْلَقَةُ ، وَهِيَ آخِرُ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ السَّابِقَةِ : لَا تُسَافِرِ امْرَأَةٌ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ ، وَهَذَا يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ مَا يُسَمَّى سَفَرًا . وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ يَلْزَمُهَا حَجَّةُ الْإِسْلَامِ إِذَا اسْتَطَاعَتْ ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ الْحَدِيثَ ، وَاسْتَطَاعَتُهَا كَاسْتِطَاعَةِ الرَّجُلِ ، لَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ الْمَحْرَمِ لَهَا ، فَأَبُو حَنِيفَةَ يَشْتَرِطُ لِوُجُوبِ الْحَجِّ عَلَيْهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ دُونَ ثَلَاثِ مَرَاحِلَ ، وَوَافَقَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، حُكِيَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ .

وَقَالَ عَطَاءٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَابْنُ سِيرِينَ وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ : لَا يُشْتَرَطُ الْمَحْرَمُ ، بَلْ يُشْتَرَطُ الْأَمْنُ عَلَى نَفْسِهَا . قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : يَحْصُلُ الْأَمْنُ بِزَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ أَوْ نِسْوَةٍ ثِقَاتٍ . وَلَا يَلْزَمُهَا الْحَجُّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ إِلَّا بِأَحَدِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ، فَلَوْ وُجِدَتِ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ ثِقَةٌ لَمْ يَلْزَمْهَا ، لَكِنْ يَجُوزُ لَهَا الْحَجُّ مَعَهَا ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ .

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَسَبَبُ هَذَا الْخِلَافِ مُخَالَفَةُ ظَوَاهِرِ الْأَحَادِيثِ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ الِاسْتِطَاعَةُ بِالْبَدَنِ ، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ قَادِرٍ عَلَيْهِ بِبَدَنِهِ ، وَمَنْ لَمْ تَجِدْ مَحْرَمًا قَادِرَةً بِبَدَنِهَا ، فَيَجِبُ عَلَيْهَا ، فَلَمَّا تَعَارَضَتْ هَذِهِ الظَّوَاهِرُ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ ، فَجَمَعَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ بِأَنْ جَعَلَ الْحَدِيثَ مُبَيِّنًا للِاسْتِطَاعَة فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ ، وَرَأَى مَالِكٌ وَمَنْ وَافَقَهُ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ الْأَمْنِيَّةَ بِنَفْسِهَا فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، وَأَنَّ الْأَحَادِيثَ الْمَذْكُورَةَ لَمْ تَتَعَرَّضْ لِلْأَسْفَارِ الْوَاجِبَةِ ، وَقَدْ أُجِيبَ أَيْضًا بِحَمْلِ الْأَخْبَارِ عَلَى مَا إِذَا لَمْ تَكُنِ الطَّرِيقُ آمِنًا ، ذَكَرَهُ الزُّرْقَانِيُّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ . وَفِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ والتِّرْمِذِيِّ : يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، انْتَهَى كَلَامُهُ .

وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ : تُسَافِرُ هَكَذَا الرِّوَايَةُ بِدُونِ أَنْ نَظِيرَ قَوْلِهِمْ تَسْمَعُ بِالْمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرَاهُ فَتَسْمَعُ مَوْضِعُهُ رَفْعٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ ، وَتُسَافِرُ مَوْضِعُهُ رَفْعٌ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ ، فَيَجُوزُ رَفَعُهُ وَنَصْبُهُ بِإِضْمَارِ أَنْ . قَالَهُ الْحَافِظُ وَلِيٌّ الْعِرَاقِيُّ . وَقَوْلُهُ : مَسِيرَةَ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنَى السَّيْرِ كَمَعِيشَةٍ بِمَعْنَى الْعَيْشِ ، وَلَيْسَتِ التَّاءُ فِيهِ لِلْمَرَّةِ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث