بَاب الطِّيبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ
بَابُ الطِّيبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ ، وأَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، قالا نَا مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ ، وَلِإِحْلَالِهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ بَاب الطِّيبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ ( كُنْتُ أُطَيِّبُ ) : أَيْ أُعَطِّرُ ( لِإِحْرَامِهِ ) : أَيْ لِأَجْلِ دُخُولِهِ فِي الْإِحْرَامِ ، أَوْ لِأَجْلِ إِحْرَامِ حَجِّهِ ( وَلِإِحْلَالِهِ ) : أَيْ لِخُرُوجِهِ مِنَ الْإِحْرَامِ ، وَهُوَ الْإِحْلَالُ الَّذِي يَحِلُّ بِهِ كُلُّ مَحْظُورٍ وَهُوَ طَوَافُ الزِّيَارَةِ ، وَيُقَالُ لَهُ : طَوَافُ الْإِفَاضَةِ ، وَقَدْ كَانَ حَلَّ بَعْضَ الْإِحْلَالِ وَهُوَ بِالرَّمْيِ الَّذِي يَحِلُّ بِهِ الطِّيبُ وَغَيْرُهُ ، وَلَا يُمْنَعُ بَعْدَهُ إِلَّا مِنَ النِّسَاءِ ، وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ قَدْ فَعَلَ الْحَلْقَ وَالرَّمْيَ ، وَبَقِيَ الطَّوَافُ ، كَذَا فِي السُّبُلِ ( قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ ) : أَيْ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِحِلِّهِ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الطِّيبَ يَحِلُّ بِالتَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ ، خِلَافًا لِمَنْ أَلْحَقَهُ بِالْجِمَاعِ ، قَالَهُ فِي الْمِرْقَاةِ . وَقَالَ فِي سُبُلِ السَّلَامِ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّطَيُّبِ عِنْدَ إِرَادَةِ فِعْلِ الْإِحْرَامِ وَجَوَازُ اسْتِدَامَتِهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ ، وَأَنَّهُ لَا يَضُرُّ بَقَاءُ لَوْنِهِ وَرِيحِهِ ، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ ابْتِدَاؤُهُ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ جَمَاهِيرُ الْأُمَّةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ إِلَى خِلَافِهِ ، وَتَكَلَّفُوا لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ وَنَحْوِهَا بِمَا لَا يَتِمُّ بِهِ مُدَّعَاهُمْ ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا إِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَطَيَّبَ ثُمَّ اغْتَسَلَ بَعْدَهُ فَذَهَبَ الطِّيبُ . قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ بَعْدَ ذِكْرِهِ الصَّوَابُ : مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الطِّيبُ لِلْإِحْرَامِ لِقَوْلِهَا لِإِحْرَامِهِ .
وَمِنْهُمْ مَنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا يَتِمُّ ثُبُوتُ الْخُصُوصِيَّةِ إِلَّا بِدَلِيلٍ عَلَيْهَا ، بَلِ الدَّلِيلُ قَائِمٌ عَلَى خِلَافِهَا وَهُوَ مَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ، كُنَّا نَنْضَحُ وُجُوهَنَا بِالطِّيبِ الْمِسْكِ قَبْلَ أَنْ نُحْرِمَ ، فَنَعْرَقَ فَنَغْسِلَ وُجُوهَنَا ، وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَنْهَانَا ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ بِلَفْظِ : كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَكَّةَ ، فَنُضَمِّخُ جِبَاهَنَا بِالْمِسْكِ الطِّيبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ ، فَإِذَا عَرِقَتْ إِحْدَانَا سَالَ عَلَى وَجْهِهَا ، فَيَرَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَنْهَانَا ، وَلَا يُقَالُ : هَذَا خَاصٌّ بِالنِّسَاءِ ؛ لِأَنَّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ فِي الطِّيبِ سَوَاءٌ بِالْإِجْمَاعِ وَالطِّيبُ يَحْرُمُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ لَا قَبْلَهُ ، وَإِنْ دَامَ حَالُهُ فَإِنَّهُ كَالنِّكَاحِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ دَوَاعِيهِ ، وَالنِّكَاحُ إِنَّمَا يَمْنَعُ الْمُحْرِمَ مِنِ ابْتِدَائِهِ لَا مِنِ اسْتِدَامَتِهِ ، فَكَذَلِكَ الطِّيبُ ؛ وَلِأَنَّ الطِّيبَ مِنَ النَّظَافَةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يُقْصَدُ بِهِ دَفْعُ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ ، كَمَا قُصِدَ بِالنَّظَافَةِ إِزَالَةُ مَا يَجْمَعُهُ الشَّعْرُ وَالظُّفْرُ مِنَ الْوَسَخِ ؛ وَلِذَا اسْتُحِبَّ أَنْ يَأْخُذَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ مِنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ ؛ لِكَوْنِهِ مَمْنُوعًا مِنْهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ ، وَإِنْ بَقِيَ أَثَرُهُ بَعْدَهُ . أَمَّا حَدِيثُ مُسْلِمٍ فِي الرَّجُلِ الَّذِي جَاءَ يَسْأَلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ كَيْفَ يَصْنَعُ فِي عُمْرَتِهِ ، وَكَان الرَّجُلُ قَدْ أَحْرَمَ وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِالطِّيبِ ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ الْحَدِيثَ ، فقد أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ هَذَا السُّؤَالَ وَالْجَوَابَ كَانَا بِالْجِعْرَانَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ ، وَقَدْ حَجَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ سَنَةَ عَشْرٍ ، وَاسْتَدَامَ الطِّيبُ قَائِمًا يُؤْخَذُ بِالْآخِرِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ نَاسِخًا لِلْأَوَّلِ انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .