بَاب مَا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ مِنْ الدَّوَابِّ
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، نَا هُشَيْمٌ ، أَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي نُعْمٍ الْبَحَلِيُّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَمَّا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ ؟ قَالَ : الْحَيَّةُ ، وَالْعَقْرَبُ وَالْفُوَيْسِقَةُ ، وَيَرْمِي الْغُرَابَ ، وَلَا يَقْتُلُهُ ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ ، وَالْحِدَأَةُ ، وَالسَّبُعُ الْعَادِي ( وَالْفُوَيْسِقَةُ ) : تَصْغِيرُ فَاسِقَةٍ لِخُرُوجِهَا مِنْ جُحْرِهَا عَلَى النَّاسِ وَإِفْسَادِهَا . وَأَصْلُ الْفِسْقِ هُوَ الْخُرُوجُ ، وَمِنْ هَذَا سُمِّيَ الْخَارِجُ عَنِ الطَّاعَةِ فَاسِقًا ، وَيُقَالُ : فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ عَنْ قِشْرِهَا إِذَا خَرَجَتْ عَنْهُ ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ ( وَيَرْمِي الْغُرَابَ وَلَا يَقْتُلُهُ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادَ بِهِ الْغُرَابُ الصَّغِيرُ الَّذِي يَأْكُلُ الْحَبَّ ، وَهُوَ الَّذِي اسْتَثْنَاهُ مَالِكٌ مِنْ جُمْلَةِ الْغِرْبَانِ . وَأَيْضًا قَالَ : اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا يَقْتُلُهُ الْمُحْرِمُ مِنَ الدَّوَابِّ ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا قَتَلَ الْمُحْرِمُ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَعْيَانِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَقَاسَ عَلَيْهَا كُلَّ سَبْعٍ ضَارٍ ، وَكُلَّ شَيْءٍ مِنَ الْحَيَوَانِ لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ؛ لِأَنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْأَعْيَانِ سِبَاعٌ ضَارِيَةٌ ، وَبَعْضُهَا هَوَامٌّ ، وبعضها هوام قَاتِلَةٌ ، وَبَعْضُهَا طَيْرٌ لَا يَدْخُلُ فِي مَعْنَى السِّبَاعِ ، وَلَا هِيَ مِنْ جُمْلَةِ الْهَوَامِّ ، وَإِنَّمَا هُوَ حَيَوَانٌ مُسْتَخْبَثُ اللَّحْمِ غَيْرُ مُسْتَطَابِ الْأَكْلِ ، وَتَحْرِيمُ الْأَكْلِ يَجْمَعُهُنَّ كُلَّهنَّ ، فَاعْتَبَرَهُ وَجَعَلَهُ دَلِيلَ الْحُكْمِ ، وَقَالَ مَالِكٌ نَحْوًا مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : لَا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ الْغُرَابَ الصَّغِيرَ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : يَقْتُلُ الْكَلْبَ وَسَائِرَ مَا جَاءَ فِي الْخَبَرِ وَقَاسُوا عَلَيْها الذِّئْبَ ، وَلَمْ يَجْعَلُوا عَلَى قَاتِلِهِ فِدْيَةً ، وَقَالُوا فِي السَّبُعِ وَالنَّمِرِ وَالْفَهْدِ وَالْخِنْزِيرِ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ إِنْ قَتَلَهَا ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدِ ابْتَدَأَهُ الْمُحْرِمُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ دَمٍ ، فَعَلَيْهِ دَمٌ وَلَا يُجَاوِزُهُ ، انْتَهَى كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ مُخْتَصَرًا .
( وَالسَّبُعُ الْعَادِي ) : أَيِ الظَّالِمُ الَّذِي يَفْتَرِسُ النَّاسَ وَيَعْقِرُ ، فَكُلُّ مَا كَانَ هَذَا الْفِعْلُ نَعْتًا لَهُ مِنْ أَسَدٍ وَنَمِرٍ وَفَهْدٍ وَنَحْوِهَا ، فَحُكْمُهُ هَذَا الْحُكْمُ وَلَيْسَ عَلَى قَاتِلِهَا فِدْيَةٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ ، هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ .
وَفِي إِسْنَادِهِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ .