بَاب فِي الْفِدْيَةِ
بَابٌ فِي الْفِدْيَةِ حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ ، عَنْ خَالِدٍ الطَّحَّانِ ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِهِ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فَقَالَ : قَدْ آذَاكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ قَالَ : نَعَمْ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : احْلِقْ ، ثُمَّ اذْبَحْ شَاةً نُسُكًا ، أَوْ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَطْعِمْ ثَلَاثَةَ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ بَاب فِي الْفِدْيَةِ ( عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ) : بِضَمِّ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِ الْجِيمِ ( هَوَامُّ رَأْسِكَ ) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ : وَالْهَامَّةُ مَا لَهُ سُمٌّ يَقْتُلُ كَالْحَيَّةِ ، قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ ، وَالْجَمْعُ الْهَوَامُّ ، مِثْلُ دَابَّةٍ وَدَوَابِّ ، وَقَدْ تُطْلَقُ الْهَوَامُّ عَلَى مَا لَا يَقْتُلُ كَالْحَشَرَاتِ ، وَمِنْهُ حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ : أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ ؟ وَالْمُرَادُ الْقَمْلُ عَلَى الِاسْتِعَارَةِ بِجَامِعِ الْأَذَى ، انْتَهَى . ( اذْبَحْ شَاةً نُسُكًا ) : بِضَمِّ النُّونِ وَالسِّينِ . قَالَ فِي النِّهَايَةِ : وَالنَّسِيكَةُ الذَّبِيحَةُ ، وَجَمْعُهَا نُسُكٌ ، وَالنُّسُكُ أَيْضًا الطَّاعَةُ وَالْعِبَادَةُ وَكُلُّ مَا تُقُرِّبَ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، انْتَهَى .
وَهَذَا دَمُ تَخْيِيرٍ اسْتُفِيدَ بِأَوْ فِي قَوْلِهِ : أَوْ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ( أَوْ أَطْعِمْ ) أَوْ لِلتَّخْيِيرِ ( آصُعٍ ) جَمْعُ صَاعٍ ، وَفِي الصَّاعِ لُغَتَانِ التَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ وَهُوَ مِكْيَالٌ يَسَعُ خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُث بِالْبَغْدَادِيِّ ، هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَسَعُ ثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ . وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الصَّاعَ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ ، وَهَذَا - الَّذِي قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ الْآصُعَ جَمْعُ صَاعٍ - صَحِيحٌ .
وَقَدْ ثَبَتَ اسْتِعْمَالُ الْآصُعِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَذَلِكَ هُوَ مَشْهُورٌ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : الْمَعْنَى أَنَّ مَنِ احْتَاجَ إِلَى حَلْقِ الرَّأْسِ لِضَرَرٍ مِنْ قَمْلٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ نَحْوِهِمَا فَلَهُ حَلْقُهُ فِي الْإِحْرَامِ ، وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ وَبَيَّنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الصِّيَامَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَالصَّدَقَةَ ثَلَاثَةُ آصُعٍ لِسِتَّةِ مَسَاكِينَ ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ ، وَالنُّسُكُ شَاةٌ ، وَهِيَ شَاةٌ تَجْزِي فِي الْأُضْحِيَّةِ ، ثُمَّ إِنَّ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ وَالْأَحَادِيثَ مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ ، وَهَكَذَا الْحُكْمُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ .
وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى الْقَوْلِ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ ، إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ أَنَّ نِصْفَ الصَّاعِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ ، إِنَّمَا هُوَ فِي الْحِنْطَةِ ، فَأَمَّا التَّمْرُ وَالشَّعِيرُ وَغَيْرُهُمَا فَيَجِبُ صَاعٌ لِكُلِّ مِسْكِينٍ ، وَهذَا خِلَافُ نَصِّهِ صلى الله عليه وسلم فِي هَذَا الْحَدِيثِ ثَلَاثَةُ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ . وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رِوَايَةً : أَنَّهُ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ مِنْ حِنْطَةٍ أَوْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ ، وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَبَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ يَجِبُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ ، أَوْ صَوْمُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ ، وَهَذَا ضَعِيفٌ مُنَابِذ لِلسُّنَّةِ مَرْدُودٌ . وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم : أَوْ أَطْعِمْ ثَلَاثَةَ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ مَعْنَاهُ مَقْسُومَةٌ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ ، تَمَّ كَلَامُهُ مُخْتَصَرًا .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ .