بَاب فِي الرَّمَلِ
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ حَدَّثَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ ، وَقَدْ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ فَقَالَ : الْمُشْرِكُونَ إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ قَوْمٌ قَدْ وَهَنَتْهُمْ الْحُمَّى ، وَلَقُوا مِنْهَا شَرًّا ، فَأَطْلَعَ اللَّهُ تعالى نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا قَالُوا فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ ، وَأَنْ يَمْشُوا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ ، فَلَمَّا رَأَوْهُمْ رَمَلُوا قَالُوا : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرْتُمْ أَنَّ الْحُمَّى قَدْ وَهَنَتْهُمْ هَؤُلَاءِ أَجْلَدُ مِنَّا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِبْقَاء عَلَيْهِمْ . ( وَهَنَتْهُمْ ) : بِتَخْفِيفِ الْهَاءِ ؛ أَيْ : أَضْعَفَتْهُمْ ، يُقَالُ : وَهَنَتْهُ وَأَوْهَنَتْهُ لُغَتَانِ ( يَثْرِبَ ) : هُوَ اسْمُ الْمَدِينَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَسُمِّيَتْ فِي الْإِسْلَامِ : الْمَدِينَةُ ، وَطَيْبَةُ ، وَطَابَةُ . ( يَقْدَمُ ) : بِفَتْحِ الدَّالِ وَأَمَّا بِضَمِّ الدَّالِ فَمَعْنَاهُ يَتَقَدَّمُ ( وَلَقُوا مِنْهَا ) : أَيْ مِنْ يَثْرِبَ ( شَرًّا ) : وَلَفْظُ مُسْلِمٍ شِدَّةً ، فَجَلَسُوا مِمَّا يَلِي الْحِجْرَ ( فَأَمَرَهُمْ ) : النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( الْأَشْوَاطَ ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ جَمْعُ شَوْطٍ ، وَهُوَ الْجَرْيُ مَرَّةً إِلَى الْغَايَةِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الطَّوْفَةُ حَوْلَ الْكَعْبَةِ .
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَسْمِيَةِ الطَّوَافِ شَوْطًا . وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ : إِنَّهُ يُكْرَهُ تَسْمِيَتُهُ شَوْطًا ، وَالْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَيْهِمَا . ( وَأَنْ يَمْشُوا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ ) : قَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ الْآتِي بَعْدَ ذَلِكَ ، وَيَجِيءُ بَسْطُ الْكَلَامِ هُنَاكَ .
( إِلَّا الْإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ ) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ وَالْقَافِ : الرِّفْقُ وَالشَّفَقَةُ ، وَهُوَ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ لَمْ يَأْمُرْهُمْ ، وَيَجُوزُ النَّصْبُ . وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ إِظْهَارِ الْقُوَّةِ بِالْعِدَّةِ وَالسِّلَاحِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لِلْكُفَّارِ إِرْهَابًا لَهُمْ ، وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ مِنَ الرِّيَاءِ الْمَذْمُومِ . وَفِيهِ جَوَازُ الْمَعَارِيضِ بِالْفِعْلِ كَمَا تَجُوزُ بِالْقَوْلِ ، وَرُبَّمَا كَانَتْ بِالْفِعْلِ أَوْلَى .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ .