حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عون المعبود شرح سنن أبي داود

بَاب الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ

بَابُ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نَا إِسْمَاعِيلُ ، نَا أَيُّوبُ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ فِي حَجَّتِهِ ، فَقَالَ : إِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ، ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقِعْدَةِ ، وَذُو الْحِجَّةِ ، وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ . بَاب الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ ( إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ ) : أَيْ دَارَ عَلَى التَّرْتِيبِ الَّذِي اخْتَارَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - وَوَضَعَهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ عَامٍ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا ، وَكُلُّ شَهْرٍ مَا بَيْنَ تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ إِلَى ثَلَاثِينَ يَوْمًا ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ غَيَّرُوا ذَلِكَ ؛ فَجَعَلُوا عَامًا اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا ، وَعَامًا ثَلَاثَةَ عَشَرَ ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُنْسِئُونَ الْحَجَّ فِي كُلِّ عَامَيْنِ ، من شَهْرٌ إِلَى شَهْرٍ آخَرَ بَعْدَهُ ، وَيَجْعَلُونَ الشَّهْرَ الَّذِي أَنْسَؤوهُ مُلْغًى ، فَتَصِيرُ تِلْكَ السَّنَةُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَتَتَبَدَّلُ أَشْهُرُهَا فَيُحِلُّونَ الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ وَيُحَرِّمُونَ غَيْرَهَا ، فَأَبْطَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ وَقَرَّرَهُ عَلَى مَدَارِهِ الْأَصْلِيِّ . فَالسَّنَةُ الَّتِي حَجَّ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَجَّةَ الْوَدَاعِ هِيَ السَّنَةُ الَّتِي وَصَلَ ذُو الْحِجَّةِ إِلَى مَوْضِعِهِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ ، يَعْنِي أَمَرَ اللَّهُ - تَعَالَى - أَنْ يَكُونَ ذُو الْحِجَّةِ فِي هَذَا الْوَقْتِ فَاحْفَظُوهُ ، وَاجْعَلُوا الْحَجَّ فِي هَذَا الْوَقْتِ ، وَلَا تُبَدِّلُوا شَهْرًا بِشَهْرٍ كَعَادَةِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ .

كَذَا فِي شَرْحِ الْمِشْكَاةِ . وَقَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ : مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ : أَنَّ الْعَرَبَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَتْ قَدْ بَدَّلَتْ أَشْهُرَ الْحَرَامِ ، وَقَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ أَوْقَاتَهَا مِنْ أَجْلِ النَّسِيءِ الَّذِي كَانُوا يَفْعَلُونَهُ ، وَهُوَ مَا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ : إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا الْآيَةَ وَمَعْنَى النَّسِيءِ : تَأْخِيرُ رَجَبٍ إِلَى شَعْبَانَ ، وَالْمُحَرَّمِ إِلَى صَفَرٍ ، وَأَصْلُهُ مَأْخُوذٌ مِنْ نَسَأْتُ الشَّيْءَ إِذَا أَخَّرْتُهُ ، وَمِنْهُ النَّسِيئَةُ فِي الْبَيْعِ ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَا يَعْتَقِدُونَهُ مِنَ الدِّينِ تَعْظِيمُ هَذِهِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ ، وَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ فِيهَا عَنِ الْقِتَالِ وَسَفْكِ الدِّمَاءِ ، وَيَأْمَنُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَى أَنْ تَنْصَرِمَ هَذِهِ الْأَشْهُرُ ، وَيَخْرُجُوا إِلَى أَشْهُرِ الْحِلِّ ، فَكَانَ أَكْثَرُهُمْ يَتَمَسَّكُونَ بِذَلِكَ ، فَلَا يَسْتَحِلُّونَ الْقِتَالَ فِيهَا ، وَكَانَ قَبَائِلُ مِنْهُمْ يَسْتَبِيحُونَهَا ، فَإِذَا قَاتَلُوا فِي شَهْرِ حَرَامٍ ؛ حَرَّمُوا مَكَانَهُ شَهْرًا آخَرَ مِنْ أَشْهُرِ الْحِلِّ ، فَيَقُولُونَ : نَسَأْنَا الشَّهْرَ ، وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ بِهِمْ حَتَّى اخْتَلَطَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، وَخَرَجَ حِسَابُهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ ، فَكَانُوا رُبَّمَا يَحُجُّونَ فِي بَعْضِ السِّنِينَ فِي شَهْرٍ ، وَيَحُجُّونَ مِنْ قَابِلٍ فِي شَهْرٍ غَيْرِهِ إِلَى أَنْ كَانَ الْعَامُ الَّذِي حَجَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَادَفَ حَجُّهُمْ شَهْرَ الْحَجِّ الْمَشْرُوعِ وَهُوَ ذُو الْحِجَّةِ ، فَوَقَفَ بِعَرَفَةَ الْيَوْمَ التَّاسِعَ مِنْهُ ، ثُمَّ خَطَبَهُمْ فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ أَشْهُرَ الْحَجِّ قَدْ تَنَاسَخَتْ بِاسْتِدَارَةِ الزَّمَانِ ، وَعَادَ الْأَمْرُ إِلَى الْأَصْلِ الَّذِي وَضَعَ اللَّهُ حِسَابَ الْأَشْهُرِ عَلَيْهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَأَمَرَهُمْ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَتَبَدَّلَ أَوْ يَتَغَيَّرَ فِيمَا يُسْتَأْنَفُ مِنَ الْأَيَّامِ . فَهَذَا تَفْسِيرُهُ وَمَعْنَاهُ ، انْتَهَى كَلَامُهُ .

( السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ ) : جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلْجُمْلَةِ الْأُولَى . قَالَهُ الطِّيبِيُّ ( مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ) : قَالَ تَعَالَى : فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ أَيْ بِهَتْكِ حُرْمَتِهَا وَارْتِكَابِ حَرَامِهَا ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ حُرْمَةَ الْمُقَاتَلَةِ فِيهَا مَنْسُوخَةٌ ، وَيُؤَيِّدُ النَّسْخَ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ حَاصَرَ الطَّائِفَ وَغَزَا هَوَازِنَ بِحُنَيْنٍ فِي شَوَّالٍ وَذِي الْقَعْدَةِ . ( ثَلَاثٌ ) : أَيْ لَيَالي ( مُتَوَالِيَاتٌ ) : أَيْ مُتَتَابِعَاتٌ ، اعْتَبَرَ ابْتِدَاءَ الشُّهُورِ مِنَ اللَّيَالِي فَحُذِفَتِ التَّاءُ ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ .

( وَرَجَبُ مُضَرَ ) : إِنَّمَا أَضَافَ الشَّهْرَ إِلَى مُضَرَ ؛ لِأَنَّهَا تُشَدِّدُ فِي تَحْرِيمِ رَجَبٍ ، وَتُحَافِظُ عَلَى ذَلِكَ أَشَدَّ مِنْ مُحَافَظَةِ سَائِرِ الْعَرَبِ ، فَأُضِيفَ الشَّهْرُ إِلَيْهِمْ بِهَذَا الْمَعْنَى ( الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ ) : فَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى تَوْكِيدِ الْبَيَانِ كَمَا قَالَ فِي أَسْنَانِ الصَّدَقَةِ : فَإِذَا لَمْ يَكُنِ ابْنَةُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ ابْنَ اللَّبُونِ لَا يَكُونُ إِلَّا ذَكَرًا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا نَسُوا رَجَبًا وَحَوَّلُوهُ عَنْ مَوْضِعِهِ ، وَسَمَّوْا بِهِ بَعْضَ الشُّهُورِ الْأُخَرِ ، فَنَحَلُوهُ اسْمَهُ ، فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ رَجَبًا هَذَا الشَّهْرُ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ ، لَا مَا كَانُوا يُسَمُّونَهُ رَجَبًا عَلَى حِسَابِ النَّسِيءِ . قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث