بَاب أَيِّ وَقْتٍ يَخْطُبُ يَوْمَ النَّحْرِ
بَابُ أَيِّ وَقْتٍ يَخْطُبُ يَوْمَ النَّحْرِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الدِّمَشْقِيُّ ، نَا مَرْوَانُ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَامِرٍ الْمُزْنِيِّ حَدَّثَنِي رَافِعُ بْنُ عَمْرٍو الْمُزْنِيُّ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ النَّاسَ بِمِنًى حِينَ ارْتَفَعَ الضُّحَى عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُعَبِّرُ عَنْهُ ، وَالنَّاسُ بَيْنَ قَائِمٍ وَقَاعِدٍ باب أي وقت يخطب يوم النحر( رَافِعُ بْنُ عَمْرٍو الْمُزَنِيُّ ) : نِسْبَةً إِلَى قَبِيلَةِ مُزَيْنَةَ ، بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الزَّايِ ( يَخْطُبُ النَّاسَ بِمِنًى ) : أَيْ أَوَّلَ النَّحْرِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ( حِينَ ارْتَفَعَ الضُّحَى عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ ) : أَيْ بَيْضَاءَ يُخَالِطُهَا قَلِيلُ سَوَادٍ . وَلَا يُنَافِيهِ حَدِيثُ قُدَامَةَ : رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْمِي الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ عَلَى نَاقَةٍ صَهْبَاءَ ( وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُعَبِّرُ عَنْهُ ) : مِنَ التَّعْبِيرِ ، أَيْ : يُبَلِّغُ حَدِيثَهُ مَنْ هُوَ بَعِيدٌ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَهُوَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَفَ حَيْثُ يَبْلُغُهُ صَوْتُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَفْهَمُهُ فَيُبَلِّغُهُ لِلنَّاسِ وَيُفْهِمُهُمْ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةِ وَنُقْصَانِ ( وَالنَّاسُ بَيْنَ قَائِمٍ وَقَاعِدٍ ) : أَيْ بَعْضُهُمْ قَاعِدُونَ وَبَعْضُهُمْ قَائِمُونَ ، وَهُمْ كَثِيرُونَ حَيْثُ بَلَغُوا مِائَةَ أَلْفٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفًا ، كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ . وَاعْلَمْ أَنَّ حَدِيثَ الْهِرْمَاسِ بْنِ زِيَادٍ وَأَبِي أُمَامَةَ وَغَيْرَهُ يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْخُطْبَةِ فِي يَوْمِ النَّحْرِ ، وَهُوَ يَرُدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ يَوْمَ النَّحْرِ لَا خُطْبَةَ فِيهِ لِلْحَاجِّ ، وَأَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ إِنَّمَا هِيَ مِنْ قَبِيلِ الْوَصَايَا الْعَامَّةِ ، لَا أَنَّهَا خُطْبَةٌ مِنْ شِعَارِ الْحَجِّ .
وَوَجْهُ الرَّدِّ أَنَّ الرُّوَاةَ سَمَّوْهَا خُطْبَةً كَمَا سَمَّوُا الَّتِي وَقَعَتْ بِعَرَفَاتٍ خُطْبَةً وَقَدِ اتُّفِقَ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْخُطْبَةِ بِعَرَفَاتٍ ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ خَطَبَ بِعَرَفَاتٍ . وَالْقَائِلُونَ بِعَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ الْخُطْبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ هُمُ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ . وَقَالُوا : خُطَبُ الْحَجِّ سَابِعَ ذِي الْحِجَّةِ وَيَوْمَ عَرَفَةَ ، وَثَانِي يَوْمِ النَّحْرِ وَوَافَقَهُمُ الشَّافِعِيُّ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ بَدَلَ ثَانِي النَّحْرِ : ثَالِثُهُ ، وَزَادَ خُطْبَةً رَابِعَةً وَهِيَ يَوْمُ النَّحْرِ .
قَالَ وَبِالنَّاسِ إِلَيْهَا حَاجَةٌ ؛ لِيَعْلَمُوا أَعْمَالَ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الرَّمْيِ وَالذَّبْحِ وَالْحَلْقِ وَالطَّوَافِ ، وَاسْتُدِلَّ بِالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ . وَتَعَقَّبَهُ الطَّحَاوِيُّ : بِأَنَّ الْخُطْبَةَ الْمَذْكُورَةَ يَوْمَ النَّحْرِ لَيْسَتْ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ الْحَجِّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا شَيْئًا مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ وَصَايَا عَامَّةً . قَالَ : وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ أَنَّهُ عَلَّمَهُمْ فِيهَا شَيْئًا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْحَجِّ يَوْمَ النَّحْرِ ، فَعَرَفْنَا أَنَّهَا لَمْ تُقْصَدْ لِأَجْلِ الْحَجِّ .
وَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ : إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ تَبْلِيغِ مَا ذَكَرَهُ لِكَثْرَةِ الْجَمْعِ الَّذِي اجْتَمَعَ مِنْ أَقَاصِي الدُّنْيَا ، فَظَنَّ الَّذِي رَآهُ أَنَّهُ خَطَبَ ، قَالَ وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ أَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إِلَى تَعْلِيمِهِمْ أَسْبَابَ التَّحَلُّلِ الْمَذْكُورَةَ فَلَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُعْلِمَهُمْ إِيَّاهَا بِمَكَّةَ أَوْ يَوْمَ عَرَفَةَ ، انْتَهَى . وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَبَّهَ فِي الْخُطْبَةِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى تَعْظِيمِ يَوْمِ النَّحْرِ ، وَعَلَى تَعْظِيمِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ وَعَلَى تَعْظِيمِ بَلَدِ الْحَرَامِ ، وَقَدْ جَزَمَ الصَّحَابَةُ بِتَسْمِيَتِهَا خُطْبَةً فَلَا تَلْتَفِتْ إِلَى تَأْوِيلِ غَيْرِهِمْ . وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ إِمْكَانِ تَعْلِيمِ مَا ذَكَرَهُ يَوْمَ عَرَفَةَ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ كَوْنُهُ يَرَى مَشْرُوعِيَّةَ الْخُطْبَةِ ثَانِي يَوْمِ النَّحْرِ ، وَكَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَعْلَمُوا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ جَمِيعَ مَا يَأْتِي بَعْدَهُ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ فِي كُلِّ يَوْمٍ أَعْمَالٌ لَيْسَتْ فِي غَيْرِهِ شَرَعَ تَجْدِيدَ التَّعْلِيمِ بِحَسَبِ تَجَدُّدِ الْأَسْبَابِ .
وَأَمَّا قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ : إِنَّهُ لَمْ يُعَلِّمْهُمْ شَيْئًا مِنْ أَسْبَابِ التَّحَلُّلِ فَيَرُدُّهُ مَا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ شَهِدَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ يَوْمَ النَّحْرِ ، وَذَكَرَ فِيهِ السُّؤَالَ عَنْ تَقْدِيمِ بَعْضِ الْمَنَاسِكِ . كَذَا فِي النَّيْلِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ .