بَاب الْقَصْرِ لِأَهْلِ مَكَّةَ
بَابُ الْقَصْرِ لِأَهْلِ مَكَّةَ حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ ، نَا زُهَيْرٌ ، نَا أَبُو إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي حَارِثَةُ بْنُ وَهْبٍ الْخُزَاعِيُّ ، وَكَانَتْ أُمُّهُ تَحْتَ عُمَرَ فَوَلَدَتْ لَهُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ : صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِنًى ، وَالنَّاسُ أَكْثَرُ مَا كَانُوا ، فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : حَارِثَةُ مِنْ خُزَاعَةَ ، وَدَارُهُمْ بِمَكَّةَ .
باب القصر لأهل مكة ( أَكْثَرَ مَا كَانُوا ) : مَا مَصْدَرِيَّةٌ وَمَعْنَاهُ الْجَمْعُ ، أَيْ أَكْثَرَ أَكْوَانِهِمْ ؛ لِأَنَّ مَا أُضِيفَ إِلَيْهِ أَفْعَلُ يَكُونُ جَمْعًا ، وَالْمَعْنَى صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ ، وَالْحَالُ أَنَّ النَّاسَ كَانَ أَكْوَانُهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَكْثَرَ مِنْ أَكْوَانِهِمْ فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ يَعْنِي أَنَّ النَّاسَ كَانُوا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَكْثَرَ مِمَّا كَانُوا فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ . فَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : وَالنَّاسُ أَكْثَرُ مِمَّا كَانُوا . وَفِقْهُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْقَصْرَ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالْخَوْفِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ الْوَقْتَ كَانَ وَقْتُ أَمْنٍ وَمَعَ ذَلِكَ قَصَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَصَرْنَا مَعَهُ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْقَصْرَ لَيْسَ بِمُخْتَصٍّ بِالْخَوْفِ .
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ النَّسَائِيُّ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ، كَذَا فِي الشَّرْحِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَيْسَ فِي قَوْلِهِ : صَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَكِّيَّ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ بِمِنًى ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ مُسَافِرًا بِمِنًى فَصَلَّى صَلَاةَ الْمُسَافِرِ ، وَلَعَلَّهُ لَوْ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - عَنْ صَلَاتِهِ لَأَمَرَهُ بِالْإِتْمَامِ ، وَقَدْ يَتْرُكُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - بَيَانَ بَعْضِ الْأُمُورِ فِي بَعْضِ الْمَوَاطِنِ اقْتِصَارًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْبَيَانِ السَّابِقِ خُصُوصًا فِي مِثْلِ هَذَا الْأَمْرِ الَّذِي هُوَ مِنَ الْعِلْمِ الظَّاهِرِ الْعَامِّ . وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُصَلِّي بِهِمْ فَيَقْصُرُ فَإِذَا سَلَّمَ الْتَفَتَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ : أَتِمُّوا يَا أَهْلَ مَكَّةَ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ .
وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَقْصُرُ الْإِمَامُ وَالْمُسَافِرُ مَعَهُ ، وَيَقُومُ أَهْلُ مَكَّةَ فَيُتِمُّونَ لِأَنْفُسِهِمْ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ . وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَالزُّهْرِيِّ ، وَذَهَبَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ إِلَى أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا قَصَرَ قَصَرُوا مَعَهُ وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ أَهْلُ مَكَّةَ وَغَيْرُهُمْ ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ بِنَحْوِهِ .