بَاب الْعُمْرَةِ
حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ ، وَهُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ قَالَا : نَا هَمَّامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ كُلَّهُنَّ فِي ذِي الْقِعْدَةِ إِلَّا الَّتِي مَعَ حَجَّتِهِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : أَتْقَنْتُ مِنْ هَا هُنَا مِنْ هُدْبَةَ ، وَسَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي الْوَلِيدِ ، وَلَمْ أَضْبِطْهُ عُمْرَةً زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ أَوْ مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَعُمْرَةَ الْقَضَاءِ فِي ذِي الْقِعْدَةِ ، وَعُمْرَةً مِنْ الْجِعْرَانَةِ حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ فِي ذِي الْقِعْدَةِ ، وَعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ . ( هُدْبَةُ ) : بِضَمِّ الْهَاءِ وَسُكُونِ الدَّالِ وَفِي صَحِيحٍ : هَدَّابٌ وَهُمَا وَاحِدٌ ( إِلَّا الَّتِي مَعَ حَجَّتِهِ ) : أَيِ الْعُمْرَةُ كُلُّهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ إِلَّا الَّتِي فِي حَجَّتِهِ ، كَانَتْ فِي ذِي الْحِجَّةِ ، قَالَهُ الْحَافِظُ . وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ : وَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُنَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ ، إِلَّا الَّتِي مَعَ حَجَّتِهِ ، وَبَيَّنَ قَوْلِ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ : لَمْ يَعْتَمِرْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا فِي ذِي الْقَعْدَةِ ؛ لِأَنَّ مَبْدَأَ عُمْرَةِ الْقِرَانِ كَانَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ ، وَنِهَايَتَهَا كَانَ فِي ذِي الْحِجَّةِ مَعَ انْقِضَاءِ الْحَجِّ ، فَعَائِشَةُ وَابْنُ عَبَّاسٍ أَخْبَرَا عَنِ ابْتِدَائِهَا ، وَأَنَسٌ أَخْبَرَ عَنِ انْقِضَائِهَا .
( أَتْقَنْتُ ) : مِنَ الْإِتْقَانِ وَهُوَ الْحِفْظُ وَالضَّبْطُ التَّامُّ ( مِنْ هَاهُنَا ) : الَّذِي يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ ، وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِ : عُمْرَةً زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ ( مِنْ هُدْبَةَ ) : بْنِ خَالِدٍ ( وَسَمِعْتُهُ ) : أَيِ الْقَوْلَ الْمَذْكُورَ آنِفًا ( مِنْ أَبِي الْوَلِيدِ ) : الطَّيَالِسِيِّ ( وَلَمْ أَضْبُطْهُ ) : أَيْ لَمْ أَحْفَظْهُ كَمَا يَنْبَغِي . ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ لَفْظِ هُدْبَةَ فَقَالَ : ( عُمْرَةً زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ ) : نُصِبَ بِاعْتَمَرَ ، وَهِيَ الْعُمْرَةُ الْأُولَى ( أَوْ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ ) : هَذَا شَكٌّ مِنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ فَوْقَ أَبِي دَاوُدَ ، وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِالشَّكِّ . وَأَمَّا الْبُخَارِيُّ فَأَخْرَجَهُ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ ، وَلَفْظُهُ : عُمْرَتَهُ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ .
( وَعُمْرَةَ الْقَضَاءِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ ) : مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ هِيَ الْعُمْرَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ عُمْرَةُ الْقَضَاءِ وَالْقَضِيَّةِ ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ بِهِمَا ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَاضَى قُرَيْشًا ، لَا أَنَّهَا وَقَعَتْ قَضَاءً عَنِ العُمْرَةِ الَّتِي صَدَرَ عَنْهَا ، إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَتَا عُمْرَةً وَاحِدَةً ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ . وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ : هِيَ قَضَاءٌ عَنْهَا ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ شَرْحِ الْهِدَايَةِ : وَتَسْمِيَةُ الصَّحَابَةِ وَجَمِيعِ السَّلَفِ إِيَّاهَا بِعُمْرَةِ الْقَضَاءِ ظَاهِرٌ في خِلَافُهُ ، وَتَسْمِيَةُ بَعْضِهِمْ إِيَّاهَا عُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ لَا يَنْفِيهِ ، فَإِنَّهُ اتَّفَقَ فِي الْأُولَى مُقَاضَاةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْلَ مَكَّةَ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فَيَدْخُلَ مَكَّةَ بِعُمْرَةٍ وَيُقِيمَ ثَلَاثًا ، وَهَذَا الْأَمْرُ قَضِيَّةٌ تَصِحُّ إِضَافَةُ هَذِهِ الْعُمْرَةِ إِلَيْهَا ، فَإِنَّهَا عُمْرَةٌ كَانَتْ عَنْ تِلْكَ الْقَضِيَّةِ ، فَهِيَ قَضَاءٌ عَنْ تِلْكَ الْقَضِيَّةِ ، فَتَصِحُّ إِضَافَتُهَا إِلَى كُلٍّ مِنْهُمَا ، فلا تستلزم الإضافة إلى القضية نفي القضاء ، والإضافة إلى القضاء تفيد ثبوته فيثبت مفيد ثُبُوتُهُ بِلَا مُعَارِضٍ ، انْتَهَى . ( وَعُمْرَةً مِنَ الْجِعْرَانَةِ ) : هِيَ الثَّالِثَةُ ( غَنَائِمَ ) : جَمْعُ غَنِيمَةٍ وَهِيَ : مَا نِيلَ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ عَنْوَةً وَالْحَرْبُ قَائِمَةً ، وَالْفَيْءُ : مَا نِيلَ مِنْهُمْ بَعْدَ أَنْ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ( حُنَيْنٍ ) : بِالصَّرْفِ وَادٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ ، وَكَانَتْ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ فِي زَمَنِ غَزْوَةِ الْفَتْحِ ، وَدَخَلَ عَلَيْهِ - صلى الله عليه وسلم - بِهَذِهِ الْعُمْرَةِ إِلَى مَكَّةَ لَيْلًا وَخَرَجَ مِنْهَا لَيْلًا إِلَى الْجِعْرَانَةِ فَبَاتَ بِهَا ، فَلَمَّا أَصْبَحَ وَزَالَتِ الشَّمْسُ خَرَجَ فِي بَطْنِ سَرِفَ حَتَّى جَامَعَ الطَّرِيقَ ، وَمِنْ ثَمَّ خَفِيَتْ هَذِهِ الْعُمْرَةُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ ، قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ .
( وَعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ ) : فِي ذِي الْحِجَّةِ هِيَ الرَّابِعَةُ . وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ هُدْبَةَ بْنِ خَالِدٍ . وَأَخْرَجَ أَيْضًا الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْوَلِيدِ وَسَاقَ مَتْنَهُ بِالضَّبْطِ وَالْإِتْقَانِ .
وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ . فَائِدَةٌ : وَلَمْ يُحْفَظْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ اعْتَمَرَ فِي السَّنَةِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَلَمْ يَعْتَمِرْ فِي سَنَةٍ مَرَّتَيْنِ . فَإِنْ قِيلَ : فَبِأَيِّ شَيْءٍ يَسْتَحِبُّونَ الْعُمْرَةَ فِي السَّنَةِ مِرَارًا خُصُوصًا فِي رَمَضَانَ ، ثُمَّ لَمْ يُثْبِتُوا ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِيلَ : إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَشْتَغِلُ فِي الْعِبَادَاتِ بِمَا هُوَ أَهَمُّ مِنَ الْعُمْرَةِ ، وَلَمْ يَكُنْ يُمْكِنُهُ الْجَمْعُ بَيْنَ تِلْكَ الْعِبَادَاتِ وَبَيْنَ الْعُمْرَةِ ، فَإِنَّهُ لَوِ اعْتَمَرَ مِرَارًا لَبَادَرَتِ الْأُمَّةُ إِلَى ذَلِكَ وَكَانَ يَشُقُّ عَلَيْهَا ، وَقَدْ كَانَ يَتْرُكُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَثِيرًا مِنَ الْعَمَلِ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَهُ خَشْيَةَ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ .
وَلَمَّا دَخَلَ الْبَيْتَ خَرَجَ مِنْهُ حَزِينًا ، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ : إِنِّي أَخَافُ أَنْ أَكُونَ قَدْ شَقَقْتُ عَلَى أُمَّتِي . ، وَهَمَّ أَنْ يَنْزِلَ يَسْتَسْقِي مَعَ سُقَاةِ زَمْزَمَ لِلْحَاجِّ ، فَخَافَ أَنْ يُغْلَبَ أَهْلُهَا عَلَى سِقَايَتِهِمْ بَعْدَهُ . وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا ، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ .
وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فِي التَّكْرَارِ وَتَنْبِيهٌ عَلَى ذَلِكَ ، إِذْ لَوْ كَانَتِ الْعُمْرَةُ بِالْحَجِّ لَا تُعْقَلُ فِي السَّنَةِ إِلَّا مَرَّةً لَسَوَّى بَيْنَهُمَا وَلَمْ يُفَرَّقَا . وَقَدْ نَدَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى ذَلِكَ بِلَفْظِهِ فَثَبَتَ الِاسْتِحْبَابُ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ . وَلَا شَكَّ أَنَّ الْحَدِيثَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الِاسْتِكْثَارِ مِنَ الِاعْتِمَارِ خِلَافًا لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : يُكْرَهُ أَنْ يُعْتَمَرَ فِي السَّنَةِ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ ، كَالْمَالِكِيَّةِ وَهَذَا الْقَوْلُ لَا يَصِحُّ ، وَالصَّحِيحُ جَوَازُ الِاسْتِكْثَارِ مِنَ الِاعْتِمَارِ ، وَخَالَفَ مَالِكًا مُطَرِّفٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَابْنُ الْمَوَّازِ .
قَالَ مُطَرِّفٌ : لَا بَأْسَ بِالْعُمْرَةِ فِي السَّنَةِ مِرَارًا . وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ : أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ . وَقَدِ اعْتَمَرَتْ عَائِشَةُ مَرَّتَيْنِ فِي شَهْرٍ ، وَلَا أَدْرِي أَنْ يُمْنَعَ أَحَدٌ مِنَ التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ بِشَيْءٍ مِنَ الطَّاعَاتِ وَلَا مِنَ الِازْدِيَادِ مِنَ الْخَيْرِ فِي مَوْضِعٍ ، وَلَمْ يَأْتِ بِالْمَنْعِ مِنْهُ نَصٌّ ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ .
وَيَكْفِي فِي هَذَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْمَرَ عَائِشَةَ مِنَ التَّنْعِيمِ سِوَى عُمْرَتِهَا الَّتِي كَانَتْ أَهَلَّتْ بِهَا ، وَذَلِكَ فِي عَامٍ وَاحِدٍ ، وَاعْتَمَرَتْ عَائِشَةُ فِي سَنَةٍ مَرَّتَيْنِ . فَقِيلَ لِلْقَاسِمِ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا أَحَدٌ ؟ فَقَالَ : أَعَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ . وَكَانَ أَنَسٌ إِذَا جَمَّمَ رَأْسَهُ خَرَجَ فَاعْتَمَرَ .
وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يَعْتَمِرُ فِي السَّنَةِ مِرَارًا . ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ وَأَطَالَ الْكَلَامَ فِيهِ .