حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عون المعبود شرح سنن أبي داود

بَاب زِيَارَةِ الْقُبُورِ

بَابُ زِيَارَةِ الْقُبُورِ بَابُ زِيَارَةِ الْقُبُورِ هَكَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ ، وَالْأَكْثَرُ خَالٍ عَنْ هَذَا ، وَلَيْسَ هَذَا الْبَابُ فِي الْمُنْذِرِيِّ أَيْضًا ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَ الْمُؤَلِّفُ فِي بَابِ تَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ أَحَادِيثَ تَحْرِيمِهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِفَضَائِلِ الْمَدِينَةِ وَزِيَارَةِ قُبَاءَ وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَيْرِ ذَلِكَ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ ، نَا الْمُقْرِئُ ، نَا حَيْوَةُ ، عَنْ أَبِي صَخْرٍ حُمَيْدِ بْنِ زِيَادٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ ( قَالَ : مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدُّ عَلَيْهِ السَّلَامَ ) قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ : إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي ، مِنْ قَبِيلِ حَذْفِ الْمَعْلُولِ وَإِقَامَةِ الْعِلَّةِ مَقَامَهُ ، وَهَذَا فَنٌّ فِي الْكَلَامِ شَائِعٌ فِي الْجَزَاءِ وَالْخَبَرِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ أَيْ : فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَلَا تَحْزَنْ فَقَدْ كُذِّبَ . ، فَحُذِفَ الْجَزَاءُ وَأُقِيمَ عِلَّتُهُ مَقَامَهُ ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا أَيْ : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَا نُضِيعُ عَمَلَهُمْ ؛ لِأَنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ، فَكَذَا هَاهُنَا يُقَدَّرُ الْكَلَامُ ، أَيْ : مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا أَرُدُّ عَلَيْهِ السَّلَامَ لِأَنِّي حَيٌّ أَقْدِرُ عَلَى رَدِّ السَّلَامِ ، وَقَوْلُهُ : حَتَّى أَرُدُّ عَلَيْهِ ، أَيْ : فَبسَبَب ذَلِكَ أَرُدُّ عَلَيْهِ ، فَحَتَّى هُنَا حَرْفُ ابْتِدَاءٍ تُفِيدُ السَّبَبِيَّةَ مِثْلَ مَرِضَ فُلَانٌ حَتَّى لَا يَرْجُونَهُ ، لَا بِمَعْنَى كَيْ ، وَبِهَذَا اتَّضَحَ مَعْنَى الْحَدِيثِ وَلَا يُخَالِفُ مَا ثَبَتَ حَيَاةُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ .

انْتَهَى كَلَامُهُ . وَقَالَ السُّيُوطِيُّ : وَقَعَ السُّؤَالُ عَنِ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ حَدِيثِ الْأَنْبِيَاءِ أَحْيَاءً وَفِي قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ وَسَائِرِ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ فِي حَيَاةِ الْأَنْبِيَاءِ ، فَإِنَّ ظَاهِرَ الْأَوَّلِ مُفَارَقَةُ الرُّوحِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ ، وَأَلَّفْتُ فِي الْجَوَابِ عَنْ ذَلِكَ تَأْلِيفًا سَمَّيْتُهُ انْتِبَاهَ الْأَذْكِيَاءِ بِحَيَاةِ الْأَنْبِيَاءِ . وَحَاصِلُ مَا ذَكَرْتُهُ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ وَجْهًا أَقْوَاهَا أَنَّ قَوْلَهُ : رَدَّ اللَّهُ رُوحِي جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ ، وَقَاعِدَةُ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ جُمْلَةَ الْحَالِ إِذَا صُدِّرَتْ بِفِعْلٍ مَاضٍ قُدِّرَتْ فِيهِ قَدْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَيْ : قَدْ حَصِرَتْ ، وَكَذَا هَاهُنَا يُقَدَّرُ قَدْ ، وَالْجُمْلَةُ مَاضِيَةٌ سَابِقَةٌ عَلَى السَّلَامِ الْوَاقِعِ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ ، وَحَتَّى لَيْسَتْ لِلتَّعْلِيلِ بَلْ لِمُجَرَّدِ الْعَطْفِ بِمَعْنَى الْوَاوِ ، فَصَارَ تَقْدِيرُ الْحَدِيثِ : مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا قَدْ رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي قَبْلَ ذَلِكَ وَأَرُدُّ عَلَيْهِ .

وَإِنَّمَا جَاءَ الْإِشْكَالُ مِنْ أَنَّ جُمْلَةَ : رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي بِمَعْنَى حَالٍ أَوِ اسْتِقْبَالٍ ، وَظُنَّ أَنَّ حَتَّى تَعْلِيلِيَّةٌ وَلَا يَصِحُّ كُلُّ ذَلِكَ . وَبِهَذَا الَّذِي قَدَّرْنَاهُ ارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ مِنْ أَصْلِهِ . وَيُؤَيِّدُهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَنَّ الرَّدَّ لَوْ أُخِذَ بِمَعْنَى حَالٍ أَوِ اسْتِقْبَالٍ لَلَزِمَ تَكَرُّرُهُ عِنْدَ تَكَرُّرِ الْمُسَلِّمِينَ ، وَتَكَرُّرُ الرَّدِّ يَسْتَلْزِمُ تَكَرُّرَ الْمُفَارَقَةِ ، وَتَكَرُّرُ الْمُفَارَقَةِ يَلْزَمُ عَلَيْهِ مَحْذُورَاتٌ ، مِنْهَا تَأَلُّمُ الْجَسَدِ الشَّرِيفِ بِتَكْرَارِ خُرُوجِ رُوحِهِ وَعَوْدِهِ أَوْ نَوْعٍ مَا مِنْ مُخَالَفَةِ تَكْرِيرٍ إِنْ لَمْ يَتَأَلَّمْ ، وَمِنْهَا مُخَالَفَةُ سَائِرِ النَّاسِ مِنَ الشُّهَدَاءِ وَغَيْرِهِمْ ، إِذْ لَمْ يَثْبُتْ لِأَحَدِهِمْ أَنَّهُ يَتَكَرَّرُ لَهُ مُفَارَقَةُ رُوحِهِ وَعَوْدِهِ بَالْبَرْزَخِ ، وَهُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَى بَالِاسْتِمْرَارِ الَّذِي هُوَ أَعْلَى رُتْبَةً .

وَمِنْهَا مُخَالَفَةُ الْقُرْآنِ إِذْ دَلَّ أَنَّهُ لَيْسَ إِلَّا مَوْتَتَانِ وَحَيَاتَانِ ، وَهَذَا التَّكْرَارُ يَسْتَلْزِمُ مَوْتَاتٍ كَثِيرَةً وَهُوَ بَاطِلٌ . وَمِنْهَا مُخَالَفَةُ الْأَحَادِيثِ الْمُتَوَاتِرَةِ الدَّالَّةِ عَلَى حَيَاةِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَمَا خَالَفَ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ الْمُتَوَاتِرَةَ وَجَبَ تَأْوِيلُهُ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الِاعْتِقَادِ : الْأَنْبِيَاءُ بَعْدَما قُبِضُوا رُدَّتْ إِلَيْهِمْ أَرْوَاحُهُمْ فَهُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ كَالشُّهَدَاءِ .

وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ حَيَاةِ الْأَنْبِيَاءِ بِلَفْظِ : إِلَّا وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي ، بِزِيَادَةِ لَفْظِ قَدْ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ : وَقَوْلُهُ : إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي مَعْنَاهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - إِلَّا وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي فَأَرُدُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَأَحْدَثَ اللَّهُ عَوْدًا عَلَى بَدْءٍ . قَالَ السُّيُوطِيُّ : وَلَفْظُ الرَّدِّ قَدْ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمُفَارَقَةِ ، بَلْ كَنَّى بِهِ عَنْ مُطْلَقِ الصَّيْرُورَةِ ، وَحَسَّنَهُ هَنا مُرَاعَاةُ الْمُنَاسِبَةِ اللَّفْظِيَّةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ : حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَجَاءَ لَفْظُ الرَّدِّ فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ لِمُنَاسَبَةِ ذِكْرِهِ بِآخِرِهِ . وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِرَدِّهَا عَوْدُهَا بَعْدَ مُفَارَقَةِ بَدَنِهَا ، وَإِنَّمَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَالْبَرْزَخِ مَشْغُولٌ بِأَحْوَالِ الْمَلَكُوتِ مُسْتَغْرِقٌ فِي مُشَاهَدَتِهِ تَعَالَى كَمَا هُوَ فِي الدُّنْيَا بِحَالَةِ الْوَحْيِ ، فَعَبَّرَ عَنْ إِفَاقَتِهِ مِنْ تِلْكَ الْحَالَةِ بِرَدِّ الرُّوحِ .

انْتَهَى . وقَالَ الشَّيْخُ تَاجُ الدِّينِ الْفَاكِهَانِيُّ : فَإِنْ قُلْتَ : قَوْلُهُ : إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي لَا يَلْتَئِمُ مَعَ كَوْنِهِ حَيًّا دَائِمًا ، بَلْ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ تَتَعَدَّدَ حَيَاتُهُ وَمَمَاتُهُ ، فَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ : مَعْنَى الرُّوحِ هُنَا النُّطْقُ مَجَازًا ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ نُطْقِي ، وَهُوَ حَيٌّ دَائِمًا ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ حَيَاتِهِ نُطْقُهُ ، فَيُرَدُّ عَلَيْهِ نُطْقُهُ عِنْدَ سَلَامِ كُلِّ أَحَدٍ ، وَعِلَاقَةُ الْمَجَازِ أَنَّ النُّطْقَ مِنْ لَازِمِهِ وُجُودُ الرُّوحِ ، كَمَا أَنَّ الرُّوحَ مِنْ لَازِمِهِ وُجُودُ النُّطْقِ بَالْفِعْلِ أَوِ الْقُوَّةِ ، فَعَبَّرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَحَدِ الْمُتَلَازِمَيْنِ عَنِ الْآخَرِ . وَمِمَّا يُحَقِّقُ ذَلِكَ أَنَّ عَوْدَ الرُّوحِ لَا يَكُونُ إِلَّا مَرَّتَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ انْتَهَى كَلَامُهُ .

وَقَالَ الْعَلَّامَةُ السَّخَاوِيُّ فِي كِتَابِ الْبَدِيعِ : رَدُّ رُوحِهِ يَلْزَمُهُ تَعَدُّدُ حَيَاتِهِ وَوَفَاتِهِ فِي أَقَلَّ مِنْ سَاعَةٍ ، إِذِ الْكَوْنُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ ، بَلْ قَدْ يَتَعَدَّدُ فِي آنٍ وَاحِدٍ كَثِيرًا . وَأَجَابَ الْفَاكِهَانِيُّ وَبَعْضُهُمْ بِأَنَّ الرُّوحَ هُنَا بِمَعْنَى النُّطْقِ مَجَازًا ، فَكَأَنَّهُ قَالَ يَرُدُّ اللَّهُ عَلَيَّ نُطْقِي . وَقِيلَ : إِنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ بِلَا مَشَقَّةَ .

وَقِيلَ : الْمُرَادُ بَالرُّوحِ مَلَكٌ وُكِّلَ بِإِبْلَاغِهِ السَّلَامَ ، وَفِيهِ نَظَرٌ . انْتَهَى . قَالَ الْخَفَاجِيُّ فِي نَسِيمِ الرِّيَاضِ شَرْحِ الشِّفَاءِ لِلْقَاضِي عِيَاضٍ : وَاسْتِعَارَةُ رَدِّ الرُّوحِ لِلنُّطْقِ بَعِيدَةٌ وَغَيْرُ مَعْرُوفَةٍ ، وَكَوْنُ الْمُرَادِ بَالرُّوحِ الْمَلَكُ تَأْبَاهُ الْإِضَافَةُ لِضَمِيرٍ ، إِلَّا أَنَّهُ مَلَكٌ كَانَ مُلَازِمًا لَهُ فَاخْتُصَّ بِهِ ، عَلَى أَنَّهُ أَقْرَبُ الْأَجْوِبَةِ .

وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ . وقَالَ أَبُو دَاوُدَ : بَلَغَنِي أَنَّ مَلَكًا مُوَكَّلًا بِكُلِّ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ يَبْلُغُهُ . وَقَدْ وَرَدَ أَيْضًا إِطْلَاقُ الرُّوحِ عَلَى الْمَلَكِ فِي الْقُرْآنِ ، وَإِذَا خُصَّ هَذَا بَالزُّوَّارِ هَانَ أَمْرُهُ .

وَجُمْلَةُ : رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَالِيَّةٌ وَلَا يَلْزَمُهَا قَدْ إِذَا وَقَعَتْ بَعْدَ إِلَّا كَمَا ذَكَرَهُ فِي التَّسْهِيلِ ، وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ أَعَمِّ الْأَحْوَالِ . وَبَالْجُمْلَةِ فَهَذَا الْحَدِيثُ لَا يَخْلُو مِنَ الْإِشْكَالِ . قَالَ الْخَفَاجِيُّ : أَقُولُ : الَّذِي يَظْهَرُ فِي تَفْسِيرِ الْحَدِيثِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالشُّهَدَاءَ أَحْيَاءٌ ، وَحَيَاةُ الْأَنْبِيَاءِ أَقْوَى ، وَإِذَا لَمْ يُسَلِّطْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضَ فَهُمْ كَالنَّائِمِينَ .

وَالنَّائِمُ لَا يَسْمَعُ وَلَا يَنْطِقُ حَتَّى يَنْتَبِهَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا الْآيَةَ ، فَالْمُرَادُ بَالرَّدِّ الْإِرْسَالُ الَّذِي فِي الْآيَةِ ، وَحِينَئِذٍ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ إِذَا سَمِعَ الصَّلَاةَ وَالسَّلَامَ بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِدُونِهَا تَيَقَّظَ وَرَدَّ ، لَا أَنَّ رُوحَهُ تُقْبَضُ قَبْضَ الْمَمَاتِ ثُمَّ يُنْفَخُ وَتُعَادُ كَمَوْتِ الدُّنْيَا وَحَيَاتِهَا ، لِأَنَّ رُوحَهُ مُجَرَّدَةٌ نُورَانِيَّةٌ ، وَهَذَا لِمَنْ زَارَهُ وَمَنْ بَعُدَ عنه تُبَلِّغُهُ الْمَلَائِكَةُ سَلَامَهُ ، فَلَا إِشْكَالَ أَصْلًا . انْتَهَى . قَالَ فِي غَايَةُ الْمَقْصُودِ شَرْحُ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ بَعْدَما أَطَالَ الْكَلَامَ : هَذَا أَيْ تَقْرِيرُ الْخَفَاجِيِّ مِنْ أَحْسَنِ التَّقَارِيرِ .

وَأَخْرَجَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ صَلَّى عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي سَمِعْتُهُ ، وَمَنْ صَلَّى نَائِيًا بُلِّغْتُهُ ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ نَائِيًا أَيْ بَعِيدًا عَنِّي ، وَبُلِّغْتُهُ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مُشَدَّدًا أَيْ بَلَّغَتْهُ الْمَلَائِكَةُ سَلَامَهُ وَصَلَاتَهُ عَلَيَّ . وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ مَرْفُوعًا : إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الْأَرْضِ يُبَلِّغُونِي عَنْ أُمَّتِي السَّلَامَ ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ . قَالَهُ الْخَفَاجِيُّ .

وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ الْأَعْرَجُ ثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الصَّبَّاحِ ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ صَلَّى عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي سَمِعْتُهُ ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ مِنْ بَعِيدٍ أُبْلِغْتُهُ ، قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي جِلَاءِ الْأَفْهَامِ : وَهَذَا الْحَدِيثُ غَرِيبٌ جِدًّا . وَمَا قَالَ عَلِيٌّ الْقَارِيُّ تَحْتَ حَدِيثِ الْبَابِ فِي شَرْحِ الشِّفَاءِ ، وَظَاهِرُهُ الْإِطْلَاقُ الشَّامِلُ لِكُلِّ مَكَانٍ وَزَمَانٍ ، وَمَنْ خَصَّ الرَّدَّ بِوَقْتِ الزِّيَارَةِ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ . انْتَهَى .

فَيُرَدُّ كَلَامُهُ بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الرِّوَايَاتِ . وَالْقَوْلُ الصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لِمَنْ زَارَهُ ، وَمَنْ بَعُدَ عَنْهُ تُبَلِّغُهُ الْمَلَائِكَةُ سَلَامَهُ . وَحَدِيثُ الْبَابِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِقَوْلِهِ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ ثَنَا حَيْوَةُ نَحْوَهُ سَنَدًا وَمَتْنًا .

قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ : وَقَدْ صَحَّ إِسْنَادُ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَسَأَلْتُ شَيْخَنَا ابْنَ تَيْمِيَةَ عَنْ سَمَاعِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ : كَأَنَّهُ أَدْرَكَهُ وَفِي سَمَاعِهِ مِنْهُ نَظَرٌ ، انْتَهَى كَلَامُهُ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ وَرِيَاضِ الصَّالِحِينَ : إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ . وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ : رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ .

وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ : أَبُو صَخْرٍ حُمَيْدُ بْنُ زِيَادٍ ، وَقَدْ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ ، وَقَدْ أُنْكِرَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ حَدِيثِهِ ، وَضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ مَرَّةً وَوَثَّقَهُ أُخْرَى ، انْتَهَى كَذَا فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ مُخْتَصَرًا .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث