بَابٌ : فِي لَبَنِ الْفَحْلِ بَاب فِي لَبَنِ الْفَحْلِ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ : الرَّجُلُ ، أَيْ : هَلْ يَثْبُتُ حُرْمَةُ الرَّضَاعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّضِيعِ وَيَصِيرُ وَلَدًا لَهُ أَمْ لَا ، وَنِسْبَةُ اللَّبَنِ إِلَيْهِ مَجَازٌ لِكَوْنِهِ سَبَبًا فِيهِ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْعَبْدِيُّ ، أَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : دَخَلَ عَلَيَّ أَفْلَحُ بْنُ أَبِي الْقُعَيْسِ ، فَاسْتَتَرْتُ مِنْهُ ، قَالَ : تَسْتَتِرِينَ مِنِّي وَأَنَا عَمُّكِ ، قَالَتْ : قُلْتُ : مِنْ أَيْنَ ؟ قَالَ : أَرْضَعَتْكِ امْرَأَةُ أَخِي ، قَالَتْ : إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ ، وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَحَدَّثْتُهُ ، فَقَالَ : إِنَّهُ عَمُّكِ فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ ( دَخَلَ عَلَيَّ أَفْلَحُ بْنُ أَبِي الْقُعَيْسِ ) هَكَذَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ بِلَفْظِ أَفْلَحَ بْنِ أَبِي الْقُعَيْسِ ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ بِلَفْظِ أَفْلَحَ بْنِ قُعَيْسٍ وَفِي أُخْرَى لَهُ بِلَفْظِ عَمِّي مِنَ الرَّضَاعَةِ أَبُو الْجَعْدِ ، وَفِي رِوَايَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ لَهُ أَنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ . قَالَ النَّوَوِيُّ : قَالَ الْحُفَّاظُ : الصَّوَابُ الرِّوَايَةُ الْأُولَى وَهِيَ الَّتِي كَرَّرَهَا مُسْلِمٌ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ وَهِيَ الْمَعْرُوفَةُ فِي كُتُبُ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهَا أَنَّ عَمَّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ هُوَ أَفْلَحُ أَخُو أَبِي الْقُعَيْسِ وَكُنْيَةُ أَفْلَحَ أَبُو الْجَعْدِ . انْتَهَى . ( فَاسْتَتَرْتُ ) أَيِ : احْتَجَبْتُ ( إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ وَلَمْ يُرْضِعنِي الرَّجُلُ ) أَيْ : حَصَلَتْ لِي الرَّضَاعَةُ مِنْ جِهَةِ الْمَرْأَةِ لَا مِنْ جِهَةِ الرَّجُلِ ، فَكَأَنَّهَا ظَنَّتْ أَنَّ الرَّضَاعَةَ لَا تَسْرِي إِلَى الرِّجَالِ . وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بَالْحَالِ . ( فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ ) مِنَ الْوُلُوجِ ، أَيْ : فَلْيَدْخُلْ . فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لَبَنَ الْفَحْلِ يُحَرِّمُ حَتَّى تَثْبُتَ الْحُرْمَةُ فِي جِهَةِ صَاحِبِ اللَّبَنِ كَمَا تَثْبُتُ مِنْ جَانِبِ الْمُرْضِعَةِ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَثْبَتَ عُمُومَةَ الرَّضَاعِ وَأَلْحَقَهَا بَالنَّسَبِ ، فَتثَبَتَ حُرْمَةُ الرَّضَاعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّضِيعِ وَيَصِيرُ وَلَدًا لَهُ وَأَوْلَادُهُ إِخْوَةُ الرَّضِيعِ وَأَخَوَاتُهُ ، وَيَكُونُ إِخْوَتُهُ أَعْمَامُ الرَّضِيعِ وَأَخَوَاتُهُ عَمَّاتُهُ وَيَكُونُ أَوْلَادُ الرَّضِيعِ أَوْلَادُهُ . وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ كَالْأَوْزَاعِيِّ فِي أَهْلِ الشَّامِ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ فِي أَهْلِ الْكُوفَةِ ، وَابْنِ جُرَيْجٍ فِي أَهْلِ مَكَّةَ ، وَمَالِكٍ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَتْبَاعِهِمْ ، وَحُجَّتُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ . وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ وَعَائِشَةُ وَجَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَدَاوُدُ وَأَتْبَاعُهُ فَقَالُوا : لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الرَّضَاعِ لِلرَّجُلِ لِأَنَّ الرَّضَاعَ إِنَّمَا هُوَ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي اللَّبَنُ مِنْهَا . قَالُوا : وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْعَمَّةَ وَلَا الْبِنْتَ كَمَا ذَكَرَهُمَا فِي النَّسَبِ ، وَأُجِيبُوا بِأَنَّ تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بَالذِّكْرِ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ ، وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ . وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ مِنْ حَيْثُ النَّظَرِ بِأَنَّ اللَّبَنَ لَا يَنْفَصِلُ مِنَ الرَّجُلِ وَإِنَّمَا يَنْفَصِلُ مِنَ الْمَرْأَةِ ، فَكَيْفَ تَنْتَشِرُ الْحُرْمَةُ إِلَى الرَّجُلِ ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ قِيَاسٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ . وَأَيْضًا فَإِنَّ سَبَبَ اللَّبَنِ هُوَ مَاءُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ مَعًا ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الرَّضَاعُ مِنْهُمَا كَالْجَدِّ لَمَّا كَانَ سَبَبُ الْوَلَدِ أَوْجَبَ تَحْرِيمَ وَلَدِ الْوَلَدِ بِهِ لِتَعَلُّقِهِ بِوَلَدِهِ ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِقَوْلِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ : اللِّقَاحُ وَاحِدٌ . أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ . وَأَيْضًا فَإِنَّ الْوَطْءَ يُدِرُّ اللَّبَنَ ، فَلِلْفَحْلِ فِيهِ نَصِيبٌ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ . وَأَفْلَحُ بَالْفَاءِ وَالْقُعَيْسُ بِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِ العين الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ وَبَعْدَهَا سِينٌ مُهْمَلَةٌ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي التَّحْرِيمِ بِلَبَنِ الْفَحْلِ ، فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ يُحَرِّمُ ، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يُحَرِّمُ ، وَإِنَّمَا يَقَعُ التَّحْرِيمُ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَرْأَةِ لَا مِنْ نَاحِيَةِ الرَّجُلِ ، رُوِيَ هَذَا عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ التَّابِعِينَ وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَابْنِ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ ، وَقِيلَ : إِنَّهُ لَا يَصِحُّ عَنْ عَائِشَةَ ، وَهَذَا الْأَشْبَهُ لِأَنَّهَا الَّتِي رَوَتِ الْحَدِيثَ فِيهِ . وقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ : نَشْرُ الْحُرْمَةِ إِلَى الْفَحْلِ خَارِجٌ عَنِ الْقِيَاسِ ، فَإِنَّ اللَّبَنَ لَيْسَ يَنْفَصِلُ مِنْهُ وَإِنَّمَا يَنْفَصِلُ مِنْهَا ، وَالْمُتَّبَعُ الْحَدِيثُ ، انْتَهَى .
المصدر: عون المعبود شرح سنن أبي داود
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-36/h/362972
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة