بَاب مَا يُكْرَهُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُنَّ مِنْ النِّسَاءِ
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، نَا عَنْبَسَةُ أَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا ، وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا ( نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا ) : أَيْ فِي النِّكَاحِ ، وَكَذَا فِي الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَجْمَعَ الرَّجُلُ ، وَفِي آخِرِهَا قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَنَرَى خَالَةَ أَبِيهَا وَعَمَّةَ أَبِيهَا بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : هَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ لِمَذْهَبِ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً أَنَّهُ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ خَالَتِهَا ، سَوَاءً كَانَتْ عَمَّةً وَخَالَةً حَقِيقِيَّةً ، وَهِيَ أُخْتُ الْأَبِ وَأُخْتُ الْأُمِّ ، أَوْ مَجَازِيَّةً ، وَهِيَ أُخْتُ أَبِي الْأَبِ وَأَبِي الْجَدِّ وَإِنْ عَلَا ، أَوْ أُخْتُ أُمِّ الْأُمِّ وَأُمِّ الْجَدَّةِ مِنْ جِهَتَيِ الْأُمِّ وَالْأَبِ وَإِنْ عَلَتْ ، فَكُلُّهُنَّ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْخَوَارِجِ وَالشِّيعَةِ : يَجُوزُ ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ خَصُّوا بِهَا الْآيَةَ . وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأُصُولِيِّينَ جَوَازُ تَخْصِيصِ عُمُومِ الْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُبَيِّنٌ لِلنَّاسِ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ . وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ كَالنِّكَاحِ فَهُوَ حَرَامٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً وَعِنْدَ الشِّيعَةِ مُبَاحٌ .
قَالُوا : وَيُبَاحُ أَيْضًا الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ ، قَالُوا : وَقَوْلُهُ تَعَالَى : وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِنَّمَا هُوَ فِي النِّكَاحِ . وَقَالَ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً : هُوَ حَرَامٌ كَالنِّكَاحِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ وَقَوْلُهُمْ : إِنَّهُ مُخْتَصٌّ بَالنِّكَاحِ لَا يُقْبَلُ ، بَلْ جَمِيعُ الْمَذْكُورَاتِ فِي الْآيَةِ مُحَرَّمَاتٌ بَالنِّكَاحِ وَبِمِلْكِ الْيَمِينِ جَمِيعًا . وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَإِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ يَحِلُّ وَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ لَا نِكَاحِهَا ، فَإِنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ عَلَيْهَا لَا يَجُوزُ لِسَيِّدِهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا بَاقِي الْأَقَارِبِ كَالْجَمْعِ بَيْنَ بِنْتَيِ الْعَمَّتَيْنِ وَبِنْتَيِ الْخَالَتَيْنِ وَنَحْوُهُمَا فَجَائِزٌ عِنْدَنَا ، وَعِنْدَ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً إِلَّا مَا حَكَاهُ الْقَاضِي عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ حَرَّمَهُ . دَلِيلُ الْجُمْهُورِ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ زَوْجَةِ الرَّجُلِ وَبِنْتِهِ مِنْ غَيْرِهَا ، فَجَائِزٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْجُمْهُورِ ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى : لَا يَجُوزُ . دَلِيلُ الْجُمْهُورِ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ انْتَهَى .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ .