حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عون المعبود شرح سنن أبي داود

بَاب في مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنْ غَضِّ الْبَصَرِ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، نَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، أَنَا ابْنُ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنْ الزِّنَا أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ فَزِنَا الْعَيْنَيْنِ النَّظَرُ ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي ، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ وَيُكَذِّبُهُ . ( مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بَاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُرِيدُ بِذَلِكَ مَا عَفَا اللَّهُ مِنْ صِغَارِ الذُّنُوبِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى : الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ ، وَهُوَ مَا يُلِمُّ بِهِ الْإِنْسَانُ مِنْ صِغَارِ الذُّنُوبِ الَّتِي لَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ وَحَفِظَهُ . ( إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ ) ؛ أَيْ أَثْبَتَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ ( حَظَّهُ ) ؛ أَيْ نَصِيبَهُ ( مِنَ الزِّنَا ) بَالْقَصْرِ عَلَى الْأَفْصَحِ .

قَالَ الْقَارِي : وَالْمُرَادُ مِنَ الْحَظِّ مُقَدِّمَاتُ الزِّنَا مِنَ التَّمَنِّي وَالتَّخَطِّي وَالتَّكَلُّمِ لِأَجْلِهِ وَالنَّظَرِ وَاللَّمْسِ وَالتَّخَلِّي . وَقِيلَ : أَثْبَتَ فِيهِ سَبَبَهُ وَهُوَ الشَّهْوَةُ وَالْمَيْلُ إِلَى النِّسَاءِ وَخَلَقَ فِيهِ الْعَيْنَيْنِ وَالْقَلْبَ وَالْفَرْجَ وَهِيَ الَّتِي تَجِدُ لَذَّةَ الزِّنَا ، أَوِ الْمَعْنَى : قَدَّرَ فِي الْأَزَلِ أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِ الزِّنَا فِي الْجُمْلَةِ . ( أَدْرَكَ ) ؛ أَيْ أَصَابَ ابْنُ آدَمَ وَوَجَدَ ( ذَلِكَ ) ؛ أَيْ مَا كَتَبَهُ اللَّهُ وَقَدَّرَهُ وَقَضَاهُ أَوْ حَظَّهُ ( لَا مَحَالَةَ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَيُضَمُّ ؛ أَيْ لَا بُدَّ لَهُ وَلَا فِرَاقَ وَلَا احْتِيَالَ مِنْهُ ، فَهُوَ وَاقَعَ الْبَتَّةَ .

( فَزِنَا الْعَيْنَيْنِ النَّظَرُ ) ؛ أَيْ حَظُّهَا النظر عَلَى قَصْدِ الشَّهْوَةِ فِيمَا لَا يَحِلُّ لَهُ ، ( وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ ) ؛ أَيِ التَّكَلُّمُ عَلَى وَجْهِ الْحُرْمَةِ كَالْمُوَاعَدَةِ ، ( وَالنَّفْسُ ) ؛ أَيِ الْقَلْبُ كَمَا فِي رِوَايَةٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَلَعَلَّ النَّفْسَ إِذَا طَلَبَتْ تَبِعَهَا الْقَلْبُ . ( تَمَنَّى ) بِحَذْفِ أَحَدِ التَّاءَيْنِ ( وَتَشْتَهِي ) لَعَلَّهُ عَدَلَ عَنْ سَنَنِ السَّابِقِ لِإِفَادَةِ التَّجَدُّدِ ؛ أَيْ زِنَا النَّفْسِ تَمَنِّيهَا وَاشْتِهَاؤُهَا وُقُوعَ الزِّنَا الْحَقِيقِيِّ . ( وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ وَيُكَذِّبُهُ ) قَالَ الطِّيبِيُّ : سَمَّى هَذِهِ الْأَشْيَاءَ بَاسْمِ الزِّنَا لِأَنَّهَا مُقَدِّمَاتٌ لَهُ مُؤْذِنَةٌ بِوُقُوعِهِ ، وَنَسَبَ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ إِلَى الْفَرْجِ لِأَنَّهُ مَنْشَؤُهُ وَمَكَانُهُ ؛ أَيْ يُصَدِّقُهُ بَالْإِتْيَانِ بِمَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْهُ وَيُكَذِّبُهُ بَالْكَفِّ عَنْهُ .

وَقِيلَ : مَعْنَاهُ إِنْ فَعَلَ بَالْفَرْجِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ صَارَ الْفَرْجُ مُصَدِّقًا لِتِلْكَ الْأَعْضَاءِ ، وإِنْ تَرَكَ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ صَارَ الْفَرْجُ مُكَذِّبًا . وَقِيلَ : مَعْنَى كَتَبَ له أَثْبَتَ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِأَنْ خَلَقَ لَهُ الْحَوَاسَّ الَّتِي بِهَا لَذَّةَ ذَلِكَ الشَّيْءِ وَأَعْطَاهُ الْقُوَى الَّتِي بِهَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ ؛ فَبَالْعَيْنَيْنِ وَبِمَا رُكِّبَ فِيهِمَا مِنَ الْقُوَّةِ الْبَاصِرَةِ تَجِدُ لَذَّةَ النَّظَرِ وَعَلَى هَذَا ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّهُ أَلْجَأَهُ إِلَيْهِ وَأَجْبَرَهُ عَلَيْهِ بَلْ رَكَّزَ فِي جِبِلَّتِهِ حُبَّ الشَّهَوَاتِ ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى بِرَحْمَتِهِ وَفَضْلِهِ يَعْصِمُ مَنْ يَشَاءُ . وَقِيلَ : هَذَا لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ ، فَإِنَّ الْخَوَاصَّ مَعْصُومُونَ عَنِ الزِّنَا وَمُقَدِّمَاتِهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَبْقَى عَلَى عُمُومِهِ بِأَنْ يُقَالَ : كَتَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ صُدُورَ نَفْسِ الزِّنَا ، فَمَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ عَنْهُ بِفَضْلِهِ صَدَرَ عَنْهُ مِنْ مُقَدِّمَاتِهِ الظَّاهِرَةِ ، وَمَنْ عَصَمَهُ بِمَزِيدِ فَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ عَنْ صُدُورِ مُقَدِّمَاتِهِ وَهُمْ خَوَاصُّ عِبَادِهِ صَدَرَ عَنْهُ لَا مَحَالَةَ بِمُقْتَضَى الْجِبِلَّةِ مُقَدِّمَاتُهُ الْبَاطِنَةُ وَهِيَ تَمَنِّي النَّفْسِ وَاشْتِهَاؤُهَا .

قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث