حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عون المعبود شرح سنن أبي داود

بَاب نَسْخِ الْمُرَاجَعَةِ بَعْدَ التَّطْلِيقَاتِ الثَّلَاثِ

حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ ، نَا إِسْمَاعِيلُ ، أَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ : إِنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا ، قَالَ : فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ رَادُّهَا إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : يَنْطَلِقُ أَحَدُكُمْ فَيَرْكَبُ الْحُمُوقَةَ ثُمَّ يَقُولُ : يَا ابْنَ عَبَّاسٍ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ، وَإِنَّ اللَّهَ قَالَ : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَإِنَّكَ لَمْ تَتَّقِ اللَّهَ فَلَا أَجِد لَكَ مَخْرَجًا عَصَيْتَ رَبَّكَ ، وَبَانَتْ مِنْكَ امْرَأَتُكَ ، وَإِنَّ اللَّهَ قَالَ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ حُمَيْدٌ الْأَعْرَجُ ، وَغَيْرُهُ عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَرَوَاهُ شُعْبَةُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَيُّوبُ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ جَمِيعًا عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ رَافِعٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَرَوَاهُ الْأَعْمَشُ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ كُلُّهُمْ قَالُوا : فِي الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ أَنَّهُ أَجَازَهَا قَالَ : وَبَانَتْ مِنْكَ نَحْوَ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا بِفَمٍ وَاحِدٍ فَهِيَ وَاحِدَةٌ ، وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ هَذَا قَوْلُهُ وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنَ عَبَّاسٍ ، وَجَعَلَهُ قَوْلَ عِكْرِمَةَ وَصَارَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ، وَهَذَا حَدِيثُ أَحْمَدَ قَالَا : نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِيَاسٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ سُئِلُوا عَنْ الْبِكْرِ يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا ثَلَاثًا ، فَكُلُّهُمْ قَالُ : لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : ورَوَى مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ أَنَّهُ شَهِدَ هَذِهِ الْقِصَّةَ حِينَ جَاءَ مُحَمَّدُ بْنُ إِيَاسِ بْنِ الْبُكَيْرِ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَعَاصِمِ بْنِ عُمَرَ فَسَأَلَهُمَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَا : اذْهَبْ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ فَإِنِّي تَرَكْتُهُمَا عِنْدَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، ثُمَّ سَاقَ هَذَا الْخَبَرَ ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ هُوَ أَنَّ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ تَبِينُ مِنْ زَوْجِهَا مَدْخُولًا بِهَا ، وَغَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ، هَذَا مِثْلُ خَبَرِ الصَّرْفِ قَالَ فِيهِ ثُمَّ إِنَّهُ رَجَعَ عَنْهُ ، يَعْنِي : ابْنَ عَبَّاسٍ . ( حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ رَادُّهَا إِلَيْهِ ) : أَيْ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يَرُدُّ الْمَرْأَةَ إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ ( فَيَرْكَبُ الْحَمُوقَةَ ) : أَيْ يَفْعَلُ فِعْلَ الْأَحْمَقِ ( عَصَيْتَ رَبَّكَ ) : أَيْ بِتَطْلِيقِكَ الثَّلَاثَ دَفْعَةً ( فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ ) : قَالَ النَّوَوِيُّ . هَذِهِ قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَهِيَ شَاذَّةٌ لَا يَثْبُتُ قُرْآنًا بَالْإِجْمَاعِ وَلَا يَكُونُ لَهَا حُكْمُ خَبَرِ الْوَاحِدِ عِنْدنَا وَعِنْدَ مُحَقِّقِي الْأُصُولِيِّينَ انْتَهَى .

وَقَالَ الْحَافِظُ : ونُقِلَتْ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ أَيْضًا عَنْ أُبَيٍّ وَعُثْمَانَ وَجَابِرٍ وَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَغَيْرِهِمُ ، انْتَهَى . وَفَتْوَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا مَجْمُوعَةً بَانَتْ مِنْهُ ، لَكِنْ هَذَا رَأْيُهُ وَرِوَايَتُهُ الْمَرْفُوعَةُ الصَّحِيحَةُ الْآتِيَةُ فِي هَذَا الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَبِينُ مِنْهُ بَلْ تَكُونُ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ الْمَجْمُوعَةُ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً ، وَالْمُعْتَبَرُ هُوَ رِوَايَةُ الرَّاوِي لَا رَأْيُهُ كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَقَرِّهِ . وَأَيْضًا سَيَأْتِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا بِفَمٍ وَاحِدٍ فَهِيَ وَاحِدَةٌ .

فَفَتْوَى ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا يُنَاقِضُ فَتْوَاهُ الْأَوَّلُ ، فَإِذَنْ لَمْ يَبْقَ الِاعْتِبَارُ إِلَّا عَلَى رِوَايَتِهِ . ثُمَّ أَوْرَدَ أَبُو دَاوُدَ عِدَّةَ مُتَابِعَاتٍ لِفَتْوَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَ : ( قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ حُمَيْدٌ الْأَعْرَجُ وَغَيْرُهُ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) : هَذَا هُوَ الْمُتَابِعُ الْأَوَّلُ ( وَرَوَاهُ شُعْبَةُ إِلَى قَوْلِهِ : عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) : هُوَ الْمُتَابِعُ الثَّانِي ( وَأَيُّوبُ وَابْنُ جُرَيْجٍ إِلَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) : أَيْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَيُّوبُ وَابْنُ جُرَيْجٍ إِلَخْ ، وَهُوَ الثَّالِثُ مِنَ الْمُتَابِعَاتِ ( وَابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ إِلَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) : أَيْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ ابْنُ جُرَيْجٍ إِلَخْ وَهُوَ الرَّابِعُ مِنَ الْمُتَابِعَاتِ ( وَرَوَاهُ الْأَعْمَشُ إِلَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) : هُوَ الْخَامِسُ مِنَ الْمُتَابِعَاتِ ( وَابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) : هُوَ السَّادِسُ مِنَ الْمُتَابِعَاتِ ( كُلُّهُمْ قَالُوا فِي الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ : إِنَّهُ أَجَازَهَا ) : أَيْ أَمْضَاهَا وَلَمْ يَقُلْ إِنَّهَا وَاحِدَةٌ ( قَالَ : وَبَانَتْ مِنْكَ ) : هَذَا بَيَانٌ لِقَوْلِهِ أَجَازَهَا ( نَحْوَ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ ) : بَالنَّصْبِ أَيْ كُلَّهُمْ قَالُوا نَحْوَ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ ( بِفَمٍ وَاحِدٍ ) : أَيْ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ ( فَهِيَ وَاحِدَةٌ ) : فَتْوَى ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا يُوَافِقُ رِوَايَتَهُ الْآتِيَةَ وَإِسْنَادَهُ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ ( وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ هَذَا ) : أَيْ كَوْنُ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ بِفَمٍ وَاحِدٍ وَاحِدَةٌ ( قَوْلُهُ ) : أَيْ قَوْلُ عِكْرِمَةَ ( وَلَمْ يَذْكُرْ ) : أَيْ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ( ابْنَ عَبَّاسٍ ) : بَالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ . واعْلَمْ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَمَا كَانَ يُفْتِي بِأَنَّ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ وَاحِدَةٌ ، كَذَلِكَ كَانَ يُفْتِي بِهِ صَاحِبُهُ عِكْرِمَةُ أَيْضًا ، فَحَدَّثَ أَيُّوبُ عَنْهُ بَعْضَ أَصْحَابِهِ فَتْوَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَحَدَّثَ بَعْضَهُمْ فَتْوَاهُ نَفْسُهُ ( وَصَارَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى قَوْلِهِ : حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ) وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .

وَغَرَضُ الْمُؤَلِّفِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ تَرَكَ الْإِفْتَاءَ بِكَوْنِ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً وَصَارَ قَائِلًا بِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَحِلُّ بَعْدَ الثَّلَاثِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ، وَلَكِنْ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ قَالَ : دَخَلَ الْحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَلَى الزُّهْرِيِّ وَأَنَا مَعَهُمْ فَسَأَلُوهُ عَنِ الْبِكْرِ تُطَلَّقُ ثَلَاثًا فَقَالَ : سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَكُلُّهُمْ قَالُوا : لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ، قَالَ : فَخَرَجَ الْحَكَمُ فَأَتَى طَاوُسًا وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهَا ، وَأَخْبَرَهُ بِقَوْلِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : فَرَأَيْتُ طَاوُسًا رَفَعَ يَدَيْهِ تَعَجُّبًا مِنْ ذَلِكَ ، وَقَالَ : وَاللَّهِ مَا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَجْعَلُهَا إِلَّا وَاحِدَةً . ( وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى ) : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ ، وَلَفْظُهُ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَعَاصِمِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : فَجَاءَهُمَا مُحَمَّدُ بْنُ إِيَاسِ بْنِ الْبُكَيْرِ فَقَالَ : إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَمَاذَا تَرَيَانِ ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ : إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ مَا بَلَغَ لَنَا فِيهِ قَوْلٌ ، فَاذْهَبْ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فَإِنِّي تَرَكْتُهُمَا عِنْدَ عَائِشَةَ فَاسْأَلْهُمَا ثُمَّ آتِنَا فَأَخْبِرْنَا ، فَذَهَبَ فَسَأَلَهُمَا فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِأَبِي هُرَيْرَةَ : أَفْتِهِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَدْ جَاءَتْكَ مُعْضِلَةٌ ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : الْوَاحِدَةُ تُبِينُهَا وَالثَّلَاثُ تُحَرِّمُهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا . قَالَ مَالِكٌ : وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا .

قَالَ مَالِكٌ : وَالثَّيِّبُ إِذَا مَلَكَهَا الرَّجُلُ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا إِنَّهَا تَجْرِي مَجْرَى الْبِكْرِ الْوَاحِدَةُ تُبِينُهَا وَالثَّلَاثُ تُحَرِّمُهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ، انْتَهَى . ( قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى قَوْلِهِ هَذَا مِثْلُ خَبَرُ الصَّرْفِ قَالَ فِيهِ ثُمَّ إِنَّهُ رَجَعَ عَنْهُ ) : الصَّرْفُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ دَفْعُ ذَهَبٍ وَأَخْذُ فِضَّةٍ وَعَكْسُهُ . قَالَهُ الْحَافِظُ : وَالْأَوْلَى فِي تَعْرِيفِ الصَّرْفِ أَنْ يُقَالَ هُوَ بَيْعُ النُّقُودِ وَالْأَثْمَانِ بِجِنْسِهَا .

وَاعْلَمْ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَعْتَقِدُ أَوَّلًا أَنَّهُ لَا رِبَا فِيمَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ ، وَدِينَارٍ بِدِينَارَيْنِ ، وَصَاعِ تَمْرٍ بِصَاعَيْ تَمْرٍ ، وَكَذَا الْحِنْطَةُ وَسَائِرُ الرِّبَوِيَّاتِ وَكَانَ مُعْتَمَدُهُ حَدِيثَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ : إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ بِتَحْرِيمِ بَيْعِ الْجِنْسِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ ، حِينَ بَلَغَهُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ كَمَا ذَكَرَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ . وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ حَيَّانَ الْعَدَوِيِّ ، سَأَلْتُ أَبَا مِجْلَزَ عَنِ الصَّرْفِ فَقَالَ : كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا يَرَى بِهِ بَأْسًا زَمَانًا مِنْ عُمْرِهِ ، مَا كَانَ مِنْهُ عَيْنًا بِعَيْنٍ يَدًا بِيَدٍ ، وَكَانَ يَقُولُ : إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ ، فَلَقِيَهُ أَبُو سَعِيدٍ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَالْحَدِيثَ ، وَفِيهِ التَّمْرُ بَالتَّمْرِ وَالْحِنْطَةُ بَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرُ بَالشَّعِيرِ وَالذَّهَبُ بَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بَالْفِضَّةِ يَدًا بِيَدٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ فَمَنْ زَادَ فَهُوَ رِبًا . فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ ، فَكَانَ يَنْهَى عَنْهُ أَشَدَّ النَّهْيِ .

فَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ الْمُؤَلِّفَ يَقُولُ : إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ أَوَّلًا بِجَعْلِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ . وَقَالَ بِوُقُوعِ الثَّلَاثِ كَمَا كَانَ يَقُولُ أَوَّلًا فِي الصَّرْفِ مِنْ أَنَّهُ لَا رِبَا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ وَقَالَ بِرِبَا الْفَضْلِ . قُلْتُ : رُجُوعُهُ فِي مَسْأَلَةِ الصَّرْفِ بِبَلُوغِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَاسْتِغْفَارِهِ عَمَّا أَفْتَى أَوَّلًا وَنَهْيِهِ عَنْهُ أَشَدَّ النَّهْيِ ظَاهِر لَا سُتْرَةَ فِيهِ ، وَأَمَّا رُجُوعُهُ فِي مَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ فَفِيهِ خَفَاءٌ ، كَيْفَ وَلَمْ يَثْبُتْ لَا بِسَنَدٍ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ رِوَايَةٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَاسِخَةٌ لِرِوَايَتِهِ الْآتِيَةِ مُوجِبَةٌ لِرُجُوعِهِ عَنْهَا ، وَكَذَا لَمْ يَرِدْ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ اسْتَغْفَرَ عَنْ جَعْلِ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً أَوْ نَهَى عَنْهُ أَحَدًا وَأَمْرُ الطَّلَاقِ أَشَدُّ مِنْ أَمْرِ الرِّبَا .

وَإِفْتَاؤُهُ بِخِلَافِ رِوَايَتِهِ لَا يَسْتَلْزِمُ عَلَى وُجُودِ نَاسِخٍ لِرِوَايَتِهِ . وَسَيَأْتِي وَجْهٌ وَجِيهٌ لِإِفْتَائِهِ بِوُقُوعِ الثَّلَاثِ فِي كَلَامِ الْإِمَامِ ابْنِ الْقَيِّمِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

ورد في أحاديث2 حديثان
هذا المحتوى شرحٌ لـ2 حديثان
موقع حَـدِيث