بَاب فِيمَا عُنِيَ بِهِ الطَّلَاقُ وَالنِّيَّاتُ
بَابٌ : فِيمَا عُنِيَ بِهِ الطَّلَاقُ وَالنِّيَّاتُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، أَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا ، أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ بَاب فِيمَا عُنِيَ بِهِ الطَّلَاقُ وَالنِّيَّاتُ ( إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بَالنِّيَّةِ ) : وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بَالنِّيَّاتِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَّ صِحَّةَ الْأَعْمَالِ وَوُجُوبَ أَحْكَامِهَا إِنَّمَا تَكُونُ بَالنِّيَّةِ ، وَأَنَّ النِّيَّةَ هِيَ الْمُصْرِفَةُ لَهَا إِلَى جِهَاتِهَا ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ أَعْيَانَ الْأَعْمَالِ لِأَنَّ أَعْيَانَهَا حَاصِلَةٌ بِغَيْرِ نِيَّةٍ ( وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى ) : أَشَارَ بِهِ إِلَى أَنَّ تَعْيِينَ الْمَنْوِيِّ شَرْطٌ ، فَلَوْ كَانَ عَلَى إِنْسَانٍ صَلَوَاتٌ لَا يَكْفِيهِ أَنْ يَنْوِيَ الصَّلَاةَ الْفَائِتَةَ بَلْ شَرْطٌ أَنْ يَنْوِيَ كَوْنَهَا ظُهْرًا أَوْ غَيْرَهُ فَلَوْلَا هَذَا الْقَوْلُ لَاقْتَضَى الْكَلَامُ الْأَوَّلُ أَنْ تَصِحَّ الْفَائِتَةُ بِلَا تَعْيِينٍ . كَذَا قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ وَالْعَلْقَمِيُّ .
( فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ) : أَيِ انْتِقَالُهُ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ قَصْدًا وَعَزْمًا ( فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ) : فَإِنْ قُلْتَ : الشَّرْطُ وَالْجَزَاءُ قَدِ اتَّحَدَا ، قُلْنَا لَا اتِّحَادَ لِأَنَّ التَّكْرَارَ قَدْ يُفِيدُ الْكَمَالَ كَمَا قَالَ أَبُو النَّجْمِ وَشِعْرِي شِعْرِي أَيْ شِعْرٌ كَامِلٌ ، وَالْمَعْنَى فَهِجْرَتُهُ كَامِلَةٌ ( وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا ) : اللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ أَوْ بِمَعْنَى إِلَى ، وَدُنْيَا بِغَيْرِ تَنْوِينٍ لِأَنَّهَا تَأْنِيثٌ أَدْنَى وَجَمْعُهَا دُنَى كَكُبْرَى وَكُبَرُ ( يُصِيبُهَا ) : أَيْ يُحَصِّلُهَا ( أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا ) : إِنَّمَا ذَكَرَهَا مَعَ كَوْنِهَا مُنْدَرِجَةً تَحْتَ دُنْيَا تَعْرِيضًا لِمَنْ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ فِي نِكَاحِ مُهَاجِرَةٍ ، فَقِيلَ لَهُ : مُهَاجِرُ أُمِّ قَيْسٍ ، أَوْ تَنْبِيهًا عَلَى زِيَادَةِ التَّحْذِيرِ مِنْ ذَلِكَ ، وَهَذَا مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ لِمَزِيَّتِهِ ( فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ) : يَعْنِي لَا يُثَابُ عَلَى هِجْرَتِهِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ : فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُطَلِّقَ إِذَا طَلَّقَ بِصَرِيحِ لَفْظِ الطَّلَاقِ أَوْ بِبَعْضِ الكنى الَّتِي يُطَلَّقُ بِهَا ، وَنَوَى عَدَدًا مِنْ أَعْدَادِ الطَّلَاقِ ، كَانَ مَا نَوَاهُ مِنَ الْعَدَدِ وَاقِعًا وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، وَإِلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَصَرْفَ الْأَلْفَاظَ عَلَى مَصَارِفِ النِّيَّاتِ ، وَقَالَ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَنَوَى ثَلَاثًا أَنَّهَا تَطْلُقُ ثَلَاثًا ، وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ . وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ هِيَ وَاحِدَةٌ وَهُوَ أَحَقٌّ بِهَا ، وَكَذَلِكَ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ ، انْتَهَى .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .