بَاب قَدْرِ مَسِيرَةِ مَا يُفْطَرُ فِيهِ
بَابُ قَدْرِ مَسِيرَةِ مَا يُفْطَرُ فِيهِ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ ، أَنَا اللَّيْثُ يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ ، عَنْ مَنْصُورٍ الْكَلْبِيِّ : أَنَّ دِحْيَةَ بْنَ خَلِيفَةَ خَرَجَ مِنْ قَرْيَةٍ مِنْ دِمَشْقَ مَرَّةً إِلَى قَدْرِ قَرْيَةِ عُقْبَةَ مِنْ الْفُسْطَاطِ ، وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ فِي رَمَضَانَ ، ثُمَّ إِنَّهُ أَفْطَرَ ، وَأَفْطَرَ مَعَهُ نَاسٌ ، وَكَرِهَ آخَرُونَ أَنْ يُفْطِرُوا ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى قَرْيَتِهِ قَالَ : وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ الْيَوْمَ أَمْرًا مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنِّي أَرَاهُ إِنَّ قَوْمًا رَغِبُوا عَنْ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ ، يَقُولُ ذَلِكَ لِلَّذِينَ صَامُوا ، ثُمَّ قَالَ عِنْدَ ذَلِكَ : اللَّهُمَّ اقْبِضْنِي إِلَيْكَ باب قدر مسيرة ما يفطر فيه ( أَنَّ دِحْيَةَ بْنَ خَلِيفَةَ ) : الْكَلْبِيَّ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ نَزَلَ الْمِزَّةَ . كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ( خَرَجَ مِنْ قَرْيَةٍ ) : لَهُ يُقَالُ لَهَا مِزَّةُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الزَّايِ هِيَ قَرْيَةٌ كَبِيرَةٌ فِي سَفْحِ الْجَبَلِ مِنْ أَعْلَى دِمَشْقَ . كَذَا فِي الْمَرَاصِدِ ( مِنْ دِمَشْقَ ) : أَيْ قَرْيَةٌ كَائِنَةٌ مِنْ أَعْمَالِ دِمَشْقَ ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ قَرْيَتِهِ ( إِلَى قَدْرِ قَرْيَةِ عَقَبَةَ ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَبِفَتْحِ الْقَافِ بِإِضَافَةِ قَرْيَةٍ إِلَى عَقَبَةَ ( مِنَ الْفُسْطَاطِ ) : وَاعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرَ الْعِبَارَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَقَبَةَ قَرْيَةٌ مِنَ الْفُسْطَاطِ ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْفُسْطَاطَ يُقَالُ لِمِصْرَ وَالْبَصْرَةِ فَعَلَى هَذَا الْمَسَافَةُ الَّتِي بَيْنَ قَرْيَةِ عَقَبَةَ وَبَيْنَ الْفُسْطَاطِ هِيَ مِقْدَارُ الْمَسَافَةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ مِزَّةَ وَبَيْنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي خَرَجَ إِلَيْهِ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ .
وَالْمَسَافَةُ بَيْنَ عَقَبَةَ وَبَيْنَ الْفُسْطَاطِ هِيَ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ كَمَا ذَكَرَهُ الرَّاوِي . لَكِنْ لَفْظُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ وَيُونُسَ قَالَا : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ ، عَنْ مَنْصُورٍ الْكَلْبِيِّ ، عَنْ دِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ قَرْيَتِهِ إِلَى قَرِيبٍ مِنْ قَرْيَةِ عَقَبَةَ فِي رَمَضَانَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَهَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ لَا فِي مُسْنَدِ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ . وَمَعْنَى الْحَدِيثِ عَلَى رِوَايَةِ أَحْمَدَ أَنَّ دِحْيَةَ الْكَلْبِيَّ خَرَجَ مِنْ قَرْيَتِهِ مِزَّةَ إِلَى قَرِيبٍ مِنْ قَرْيَةِ عَقَبَةَ فَتَكُونُ الْمَسَافَةُ بَيْنَ مِزَّةَ وَبَيْنَ عَقَبَةَ ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
كَذَا فِي الشَّرْحِ ( ثُمَّ إِنَّهُ أَفْطَرَ وَأَفْطَرَ مَعَهُ نَاسٌ ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِي هَذَا حُجَّةٌ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ السَّفَرَ الَّذِي يَتَرَخَّصُ فِيهِ لِلْإِفْطَارِ إِلَّا فِي سَفَرٍ يَجُوزُ فِيهِ الْقَصْرُ ، وَهُوَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِرَاقِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، وَعِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْحِجَازِ لَيْلَتَانِ أَوْ نَحْوُهُمَا ، وَلَيْسَ الْحَدِيثُ بِالْقَوِيِّ ، وَفِيهِ رَجُلٌ لَيْسَ بِالْمَشْهُورِ ، ثُمَّ إِنَّ دِحْيَةَ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْطَرَ فِي قَصْرِ السَّفَرِ ، وَإِنَّمَا قَالَ : قَوْمًا رَغِبُوا عَنْ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَعَلَّهُمْ إِنَّمَا رَغِبُوا عَنْ قَبُولِ الرُّخْصَةِ فِي الْإِفْطَارِ أَصْلًا . وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ دِحْيَةُ إِنَّمَا صَارَ فِي ذَلِكَ إِلَى ظَاهِرِ اسْمِ السَّفَرِ ، وَقَدْ خَالَفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما لَا يَرَيَانِ الْقَصْرَ وَالْإِفْطَارَ فِي أَقَلِّ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ وَهُمَا أَفْقَهُ مِنْ دِحْيَةَ وَأَعْلَمُ بِالسُّنَنِ . انْتَهَى .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَلَيْسَ الْحَدِيثُ بِالْقَوِيِّ ، فِي إِسْنَادِهِ رَجُلٌ لَيْسَ بِالْمَشْهُورِ ، وَهُوَ بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ الْكَلْبِيُّ ، فَإِنَّ رِجَالَ الْإِسْنَادِ جَمِيعَهُمْ ثِقَاتٌ يُحْتَجُّ بِهِمْ فِي الصَّحِيحِ سِوَاهُ ، وَهُوَ مِصْرِيٌّ رَوَى عَنْهُ أَبُو الْخَيْرِ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيُّ وَلَمْ أَجِدْ مَنْ رَوَاهُ عَنْهُ سِوَاهُ ، فَيَكُونُ مَجْهُولًا كَمَا ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ . وَلَمْ يَزِدْ فِيهِ الْبُخَارِيُّ عَلَى مَنْصُورٍ الْكَلْبِيِّ . وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ فِي تَارِيخِ الْمِصْرِيِّينَ : مَنْصُورُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْأَصْبَغِ الْكَلْبِيُّ .
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَالَّذِي رُوِّينَا عَنْ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ ذَلِكَ ، فَكَأَنَّهُ ذَهَبَ فِيهِ إِلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ فِي الرُّخْصَةِ فِي السَّفَرِ . وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ رَغِبُوا عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ فِي قَبُولِ الرُّخْصَةِ لَا فِي تَقْدِيرِ السَّفَرِ الَّذِي أَفْطَرَ فِيهِ .