بَاب فِي سُكْنَى الشَّامِ
بَابٌ : فِي سُكْنَى الشَّامِ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، نَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ ، فَخِيَارُ أَهْلِ الْأَرْضِ أَلْزَمُهُمْ مُهَاجَرَ إِبْرَاهِيمَ ، وَيَبْقَى فِي الْأَرْضِ شِرَارُ أَهْلِهَا ، تَلْفِظُهُمْ أَرْضُوهُمْ ، تَقْذَرُهُمْ نَفْسُ اللَّهِ ، وَتَحْشُرُهُمْ النَّارُ مَعَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ باب في سكنى الشام ( هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَى الْهِجْرَةِ الثَّانِيَةِ الْهِجْرَةُ إِلَى الشَّامِ يُرَغِّبُهَا فِي الْقِيَامِ بِهَا وَهِيَ مُهَاجَرُ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِمَا وَسَلَّمَ ( مُهَاجَرُ إِبْرَاهِيمَ ) : بِفَتْحِ الْجِيمِ وَهُوَ الشَّامُ ( تَلْفِظُهُمْ ) : بِكَسْرِ الْفَاءِ أَيْ تَقْذِفُهُمْ وَتَرْمِيهِمْ ، يُقَالُ : قَدْ لَفَظَ الشَّيْءَ يلفظه لَفْظًا إِذَا رَمَاهُ ( أَرْضُوهُمْ ) : جَمْعُ أَرْضٍ ( تَقْذَرُهُمْ ) : بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ تَكْرَهُهُمْ ( نَفْسُ اللَّهِ ) : بِسُكُونِ الْفَاءِ أَيْ ذَاتُهُ تَعَالَى . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : تَأْوِيلُهُ أَنَّ اللَّهَ يَكْرَهُ خُرُوجَهُمْ إِلَيْهَا وَمُقَامَهُمْ بِهَا فَلَا يُوَفِّقُهُمْ لِذَلِكَ فَصَارُوا بِالرَّدِّ وَعَدَمِ الْقَبُولِ فِي مَعْنَى الشَّيْءِ الَّذِي تَقْذُرُهُ نَفْسُ الْإِنْسَانِ ، وَذِكْرُ النَّفْسِ هَاهُنَا مَجَازٌ وَاتِّسَاعٌ فِي الْكَلَامِ وَهَذَا شَبِيهٌ بِمَعْنَى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ انْتَهَى . قَالَ فِي النِّهَايَةِ : يُقَالُ قَذَرْتُ الشَّيْءَ أَقْذُرُهُ إِذَا كَرِهْتُهُ وَاجْتَنَبْتُهُ انْتَهَى ( وَتَحْشُرُهُمُ النَّارُ مَعَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ ) : أَيْ تَجْمَعُهُمْ وَتَسُوقُهُمُ النَّارُ فَيَفِرُّونَ هَؤُلَاءِ وَالشِّرَارُ مَخَافَةَ النَّارِ مَعَ الْبَهَائِمِ مِنَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ وَالنَّارُ لَا تُفَارِقُهُمْ بِحَالٍ .
وَلَيْسَ هَذَا حَشْرُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَإِلَّا قِيلَ تَحْشُرُ شِرَارُ أَهْلِهَا إِلَى النَّارِ وَلَا يُقَالُ تَحْشُرُهُمُ النَّارُ ، وَلِقَوْلِهِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ تَقِيلُ مَعَهُمْ ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّارَ لَيْسَتْ حَقِيقَةً بَلْ نَارُ الْفِتْنَةِ ، وَهَذِهِ الْقَيْلُولَةُ وَالْبَيْتُوتَةُ هِيَ الْمُرَادَةُ فِي قَوْلِهِ سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ إِلَى قَوْلِهِ تَحْشُرُهُمُ النَّارُ مَعَ الْقِرَدَةِ تَبِيتُ مَعَهُمْ إِذَا بَاتُوا انْتَهَى كَلَامُ الطِّيبِيُّ مُلَخَّصًا مُحَرَّرًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ وَرَوَى مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِإِسْنَادٍ أَمْثَلَ مِنْ هَذَا .