بَاب فِيمَا يُسْتَحَبُّ مِنْ الْجُيُوشِ وَالرُّفَقَاءِ وَالسَّرَايَا
بَابٌ فِي مَا يُسْتَحَبُ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ . ( وَالرُّفَقَاءُ ) : جَمْعُ رَفِيقٍ أي مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ الرُّفَقَاءِ وَالصَّحَابَةِ فِي السَّفَرِ . حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ أَبُو خَيْثَمَةَ ، نَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، نَا أَبِي قَالَ : سَمِعْتُ يُونُسَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : خَيْرُ الصَّحَابَةِ أَرْبَعَةٌ ، وَخَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعُمِائَةٍ ، وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ ، وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مُرْسَلٌ .
( خَيْرُ الصَّحَابَةِ ) : بِالْفَتْحِ جَمْعُ صَاحِبٍ وَلَمْ يُجْمَعْ فَاعِلٌ عَلَى فَعَالَةٍ غَيْرُ هَذَا . كَذَا فِي النِّهَايَةِ ( أَرْبَعَةٌ ) : قَالَ الْغَزَالِيُّ : الْمُسَافِرُ لَا يَخْلُو عَنْ رَجُلِ يَحْتَاجُ إِلَى حِفْظِهِ وَعَنْ حَاجَةٍ يَحْتَاجُ إِلَى التَّرَدُّدِ فِيهَا ، وَلَوْ كَانُوا ثَلَاثَةً لَكَانَ الْمُتَرَدِّدُ فِي الْحَاجَةِ وَاحِدًا فَيَتَرَدَّدُ فِي السَّفَرِ بِلَا رَفِيقٍ ، فَلَا يَخْلُو عَنْ ضِيقِ الْقَلْبِ لِفَقْدِ الْأَنِيسِ ، وَلَوْ تَرَدَّدَ اثْنَانِ كَانَ الْحَافِظُ لِلرَّحْلِ وَحْدَهُ فَلَا يَخْلُو عَنِ الخطر وَعَنْ ضِيقِ الْقَلْبِ ، فَإِذًا مَا دُونَ الْأَرْبَعَةِ لَا يَفِي بِالْمَقْصُودِ ، وَالْخَامِسُ زِيَادَةٌ بَعْدَ الْحَاجَةِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ خَيْرَ الصَّحَابَةِ أَرْبَعَةُ أَنْفَارٍ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ مَا دُونَ الْأَرْبَعَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ مَوْجُودٌ فِيهَا أَصْلُ الْخَيْرِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ السَّفَرِ وَالْحَضَرِ ، وَلَكِنَّهُ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ الْمُتَقَدِّمُ ظَاهِرُهُ أَنَّ مَا دُونَ الثَّلَاثَةِ عُصَاةً ، لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ شَيْطَانٌ أَيْ عَاصٍ ، وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : هَذَا الزَّجْرُ زَجْرُ أَدَبٍ وَإِرْشَادٍ لِمَا يُخْشَى عَلَى الْوَاحِدِ مِنَ الْوَحْشَةِ وَالْوَحْدَةِ وَلَيْسَ بِحَرَامٍ ، وَالْحَقُّ أَنَّ النَّاسَ يَتَبَايَنُونَ فِي ذَلِكَ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الزَّجْرُ عَنْهُ لِحَسْمِ الْمَادَّةِ فَلَا يَتَنَاوَلُ مَا إِذَا وَقَعَتِ الْحَاجَةُ لِذَلِكَ كَإِرْسَالِ الْجَاسُوسِ وَالطَّلِيعَةِ ، كَذَا فِي النَّيْلِ ( وَخَيْرُ السَّرَايَا ) : جَمْعُ سَرِيَّةٍ وَهِيَ الْقِطْعَةُ مِنَ الْجَيْشِ تَخْرُجُ مِنْهُ تُغِيرُ وَتَرْجِعُ إِلَيْهِ .
قَالَهُ النَّوَوِيُّ . قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ : قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ : هِيَ الْخَيْلُ تَبْلُغُ أَرْبَعَمِائَةٍ وَنَحْوَهَا . قَالُوا : سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَسْرِي فِي اللَّيْلِ وَتُخْفِي ذَهَابَهَا ، فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ ، سَرَى وَأَسْرَى إِذَا ذَهَبَ لَيْلًا .
وَضَعَّفَ ابْنُ الْأَثِيرِ ذَلِكَ وَعِبَارَتُهُ : وَهِيَ الطَّائِفَةُ مِنَ الْجَيْشِ يَبْلُغُ أَقْصَاهَا أَرْبَعَمِائَةٍ تُبْعَثُ إِلَى الْعَدُوِّ وَالْجَمْعُ السَّرَايَا ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا خُلَاصَةَ الْعَسْكَرِ وَخِيَارَهُمْ ، مِنَ الشَّيْءِ السَرِيِّ النَّفِيسِ سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَنْفُذُونَ سِرًّا وَخُفْيَةً . قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ : وَلَعَلَّ السَّرِيَّةَ إِنَّمَا خُصَّتْ بِأَرْبَعِمِائَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ عَنِ الْحَرْبِيِّ ، لِأَنَّ خَيْرَ السَّرَايَا وَهِيَ عِدَّةُ أَهْلِ بَدْرٍ ثَلَاثُمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ ، فَعَلَى هَذَا خَيْرُ السَّرَايَا مِنْ ثَلَاثِمِائَةٍ إِلَى الْأَرْبَعِمِائَةِ وَمِنْ أَرْبَعِمِائَةٍ إِلَى خَمْسِمِائَةٍ . قَالَهُ الْعَلْقَمِيُّ ( وَلَنْ يُغْلَبَ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ لَنْ يَصِيرَ مَغْلُوبًا ( مِنْ قِلَّةٍ ) : مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ لَوْ صَارُوا مَغْلُوبِينَ لَمْ يَكُنْ لِلْقِلَّةِ بَلْ لِأَمْرٍ آخَرَ كَالْعُجْبِ بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ وَالْعُدَدِ وَغَيْرِهِ .
قَالَ الْعَلْقَمِيُّ : أَيْ إِذَا بَلَغَ الْجَيْشُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا لَنْ يُغْلَبَ مِنْ جِهَةِ قِلَّةِ الْعَدَدِ . قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ : زَادَ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ إِذَا صَبَرُوا وَاتَّقَوْا . وَكَذَا زَادَ ابْنُ عَسَاكِرَ .
وَزَادَ الْعَسْكَرِيُّ : وَخَيْرُ الطَّلَائِعِ أَرْبَعُونَ . بَلْ يَكُونُ الْغَلَبُ مِنْ سَبَبٍ آخَرَ كَالْعُجْبِ بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ وَبِمَا زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ مِنْ قُدْرَتِهِمْ عَلَى الْحَرْبِ وَشَجَاعَتِهِمْ وَقُوَّتِهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ . أَلَا تَرَى إِلَى وَقْعَةِ حُنَيْنٍ ، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانَ عِدَّتُهُمْ فِيهَا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا فَأَعْجَبَهُمْ كَثْرَتُهُمْ وَاعْتَمَدُوا عَلَيْهَا وَقَالُوا : لَنْ نُغْلَبَ الْيَوْمَ عَنْ قِلَّةٍ ، فَغُلِبُوا عِنْدَ ذَلِكَ .
وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ عَدَدَ الْمُسْلِمِينَ إِذَا بَلَغَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا أَنَّهُ يَحْرُمُ الِانْصِرَافُ وَإِنْ زَادَ الْكُفَّارُ عَلَى مِثْلَيْهِمْ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا هَذَا مُخَصِّصًا لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ . انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ رَسْلَانَ مُلَخَّصًا .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا يُسْنِدُهُ كَثِيرُ أَحَدٍ وَذَكَرَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا .