بَاب فِي التَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، نَا زُهَيْرٌ ، نَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ مِنْ سَرَايَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فَحَاصَ النَّاسُ حَيْصَةً ، فَكُنْتُ فِيمَنْ حَاصَ ، فَلَمَّا بَرَزْنَا قُلْنَا : كَيْفَ نَصْنَعُ وَقَدْ فَرَرْنَا مِنْ الزَّحْفِ وَبُؤْنَا بِالْغَضَبِ ؟ فَقُلْنَا : نَدْخُلُ الْمَدِينَةَ فَنَثْبُتُ فِيهَا لِنَذْهَبُ وَلَا يَرَانَا أَحَدٌ ، قَالَ : فَدَخَلْنَا فَقُلْنَا : لَوْ عَرَضْنَا أَنْفُسَنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنْ كَانَتْ لَنَا تَوْبَةٌ أَقَمْنَا ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ ذَهَبْنَا ، قَالَ : فَجَلَسْنَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ ، فَلَمَّا خَرَجَ قُمْنَا إِلَيْهِ فَقُلْنَا : نَحْنُ الْفَرَّارُونَ ، فَأَقْبَلَ إِلَيْنَا ، فَقَالَ : لَا بَلْ أَنْتُمْ الْعَكَّارُونَ ، قَالَ : فَدَنَوْنَا فَقَبَّلْنَا يَدَهُ ، فَقَالَ : إِنَّا فِئَةُ الْمُسْلِمِينَ ( فَحَاصَ النَّاسُ ) : بِإِهْمَالِ الْحَاءِ وَالصَّادِ أَيْ جَالُوا جَوْلَةً يَطْلُبُونَ الْفِرَارَ . قَالَهُ السُّيُوطِيُّ . وَفِي الْمِرْقَاةِ لِلْقَارِي : أَيْ مَالُوا عَنِ الْعَدُوِّ مُلْتَجِئِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَلا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا أَيْ مَهْرَبًا .
وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ الْجَوْهَرِيُّ : حَاصَ عَنْهُ عَدَلَ وَحَادَ ، وَيُقَالُ لِلْأَوْلِيَاءِ حَاصُوا عَنِ الْأَعْدَاءِ وَلِلْأَعْدَاءِ انْهَزَمُوا ، وَفِي الْفَائِقِ : حَاصَ حَيْصَةً أَيِ انْحَرَفَ وَانْهَزَمَ ، انْتَهَى . ( وَبُؤْنَا بِالْغَضَبِ ) : مِنْ بَاءَ يَبُوءُ عَلَى وَزْنِ قُلْنَا أَيْ رَجَعْنَا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ( فَنَثْبُتَ فِيهَا ) : أَيْ فِي الْمَدِينَةِ . وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : فَنَبِيتُ مِنَ الْبَيْتُوتَةِ ، وَفِي بَعْضِهَا فَنَتَثَبَّتُ مِنْهَا ، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ فَأَتَيْنَا الْمَدِينَةَ فَاخْتَفَيْنَا بِهَا لِنَذْهَبَ أَيْ إِلَى الْجِهَادِ مَرَّةً ثَانِيَةً ( أَقَمْنَا ) : أَيْ فِي الْمَدِينَةِ ( فَجَلَسْنَا ) : أَيْ مُتَرَصِّدِينَ ( بَلْ أَنْتُمُ الْعَكَّارُونَ ) : أَيْ أَنْتُمُ الْعَائِدُونَ إِلَى الْقِتَالِ وَالْعَاطِفُونَ عَلَيْهِ ، يُقَالُ : عَكَّرْتُ عَلَى الشَّيْءِ إِذَا عَطَفْتُ عَلَيْهِ وَانْصَرَفْتُ إِلَيْهِ بَعْدَ الذَّهَابِ عَنْهُ .
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ : رَأَيْتُ أَعْرَابِيًّا يُفَلِّي ثِيَابَهُ فَيَقْتُلُ الْبَرَاغِيثَ وَيَتْرُكُ الْقَمْلَ ، فَقُلْتُ : لِمَ تَصْنَعُ هَذَا ؟ قَالَ : أَقْتُلُ الْفُرْسَانَ ثُمَّ أُعَكِّرُ عَلَى الرَّجَّالَةِ ( أَنَا فِئَةُ الْمُسْلِمِينَ ) : فِي النِّهَايَةِ الْفِئَةُ الْجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ فِي الْأَصْلِ وَالطَّائِفَةُ الَّتِي تَقُومُ وَرَاءَ الْجَيْشِ فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِمْ خَوْفٌ أَوْ هَزِيمَةٌ الْتَجَئُوا إِلَيْهِ ، انْتَهَى . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُمَهِّدُ بِذَلِكَ عُذْرَهُمْ وَهُوَ تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ : أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ : وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ .
وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ .