حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عون المعبود شرح سنن أبي داود

بَاب فِي فِدَاءِ الْأَسِيرِ بِالْمَالِ

حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسماعيل ، ثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسحاق ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رُدُّوا عَلَيْهِمْ نِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ ، فَمَنْ مَسَكَ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْفَيْءِ ، فَإِنَّ لَهُ بِهِ عَلَيْنَا سِتَّ فَرَائِضَ مِنْ أَوَّلِ شَيْءٍ يُفِيئُهُ اللَّهُ تعالى عَلَيْنَا . ثُمَّ دَنَا - يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ بَعِيرٍ فَأَخَذَ وَبَرَةً مِنْ سَنَامِهِ ، ثُمَّ قَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّهُ لَيْسَ لِي مِنْ هَذَا الْفَيْءِ شَيْءٌ وَلَا هَذَا ، وَرَفَعَ إصْبُعَيْهِ إِلَّا الْخُمُسَ ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ ، فَأَدُّوا الْخِيَاطَ وَالْمِخْيَطَ . فَقَامَ رَجُلٌ فِي يَدِهِ كُبَّةٌ مِنْ شَعْرٍ فَقَالَ : أَخَذْتُ هَذِهِ لِأُصْلِحَ بِهَا بَرْذَعَةً لِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَّا مَا كَانَ لِي ، وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكَ ، فَقَالَ : أَمَّا إِذْ بَلَغَتْ مَا أَرَى فَلَا أَرَبَ لِي فِيهَا ، وَنَبَذَهَا ( فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ ) : أَيِ السَّابِقَةِ ( رُدُّوا عَلَيْهِمْ ) : أَيْ عَلَى وَفْدِ هَوَازِنَ ( فَمَنْ مَسَكَ بِشَيْءٍ ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُرِيدُ مَنْ أَمْسَكَ ، يُقَالُ : مَسَكْتُ الشَّيْءَ ، وَأَمْسَكْتُهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَفِيهِ إِضْمَارٌ وَهُوَ الرَّدُّ ، كَأَنَّهُ قَالَ : مَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ هَذَا الْفَيْءِ فَأَمْسَكَهُ ثُمَّ رَدَّهُ ( سِتَّ فَرَائِضَ ) : جَمْعُ فَرِيضَةٍ ، وَهِيَ الْبَعِيرُ الْمَأْخُوذُ فِي الزَّكَاةِ ، ثُمَّ اتُّسِعَ فِيهِ حَتَّى سُمِّيَ الْبَعِيرُ فِي غَيْرِ الزَّكَاةِ ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ ( مِنْ أَوَّلِ شَيْءٍ يُفِيئُهُ اللَّهُ عَلَيْنَا ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُرِيدُ الْخُمْسَ مِنَ الْفَيْءِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً يُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى أَهْلِهِ ، وَيَجْعَلُ الْبَاقِي فِي مَصَالِحِ الدِّينِ وَمَنَافِعِ الْمُسْلِمِينَ ، وَذَلِكَ بِمَعْنَى قَوْلِهِ : إِلَّا الْخُمْسُ ، وَالْخُمْسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ ( ثُمَّ دَنَا ) : أَيْ قَرُبَ ( وَبَرَةً ) : بِفَتَحَاتٍ أَيْ شَعْرَةً ( وَلَا هَذَا ) : يُشِيرُ إِلَى مَا أَخَذَ .

قَالَ الطِّيبِيُّ : وَلَا هَذَا تَأْكِيدٌ ، وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى الْوَبَرَةِ عَلَى تَأْوِيلِ شَيْءٍ ( وَرَفَعَ أُصْبُعَيْهِ ) : أَيْ وَقَدْ رَفَعَ إِصْبَعَيْهِ اللَّتَيْنِ أَخَذَ بِهِمَا الْوَبَرَةَ ( إِلَّا الْخُمْسَ ) : ضُبِطَ بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ ؛ فَالرَّفْعُ عَلَى الْبَدَلِ ، وَالنَّصْبُ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ ( وَالْخُمْسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ ) : أَيْ مَصْرُوفٌ فِي مَصَالِحِكُمْ مِنَ السِّلَاحِ وَالْخَيْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ( فَأَدُّوا الْخِيَاطَ ) : بِكَسْرِ الْخَاءِ ؛ أَيِ : الْخَيْطَ أَوْ جَمْعَهُ ( وَالْمِخْيَطَ ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْخَاءِ هُوَ الْإِبْرَةُ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قَلِيلَ مَا يُغْنَمُ وَكَثِيرَهُ مَقْسُومٌ بَيْنَ مَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ ، لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْتَبِدَّ مِنْهُ بِشَيْءٍ وَإِنْ قَلَّ ، إِلَّا الطَّعَامَ الَّذِي قَدْ وَرَدَتْ فِيهِ الرُّخْصَةُ ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ . انْتَهَى مُخْتَصَرًا ( فِي يَدِهِ كُبَّةٌ ) : بِضَمِّ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ ؛ أَيْ : قِطْعَةٌ مُكَبْكَبَةٌ مِنْ غَزْلِ شَعْرٍ ( بَرْذعَةً ) : بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ ، وَقِيلَ بِالْمُعْجَمَةِ ، وَفِي الْقَامُوسِ إِهْمَالُ الدَّالِ أَكْثَرُ ، وَفِي الْمُغْرِبِ هِيَ الْحِلْسُ الَّذِي تَحْتَ رَحْلِ الْبَعِيرِ .

قَالَهُ الْقَارِي ( أَمَّا مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكَ ) : أَيْ أَمَّا مَا كَانَ نَصِيبِي وَنَصِيبَهُمْ فَأَحْلَلْنَاهُ لَكَ ، وَأَمَّا مَا بَقِيَ مِنْ أَنْصِبَاءِ الْغَانِمِينَ ، فَاسْتِحْلَالُهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ ( فَقَالَ ) : أَيِ الرَّجُلُ ( أَمَّا إِذَا بَلَغَتْ ) : أَيْ وَصَلَتِ الْكُبَّةُ ( مَا أَرَى ) : أَيْ إِلَى مَا أَرَى مِنَ التَّبِعَةِ وَالْمُضَايَقَةِ ، أَوْ إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ ( فَلَا أَرَبَ ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالرَّاءِ ؛ أَيْ : لَا حَاجَةَ ( وَنَبَذَهَا ) : أَيْ أَلْقَاهَا . وَأَحَادِيثُ الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى مَا تَرْجَمَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَا مُحَصِّلُهُ : إِنَّ فِي حَدِيثِ جُبَيْرٍ ، وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ فِي الْأُسَارَى الْبَالِغِينَ ؛ إِنْ شَاءَ مَنَّ عَلَيْهِمْ وَأَطْلَقَهُمْ مِنْ غَيْرِ فِدَاءٍ ، وَإِنْ شَاءَ فَادَاهُمْ بِمَالٍ مَعْلُومٍ ، وَإِنْ شَاءَ قَتَلَهُمْ ، يَفْعَلُ مَا هُوَ أَحظ لِلْإِسْلَامِ وَأَصْلَحُ لِأَمْرِ الدِّينِ . وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ .

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : إِنْ شَاءَ قَتَلَهُمْ ، وَإِنْ شَاءَ فَادَاهُمْ ، وَإِنْ شَاءَ اسْتَرَقَّهُمْ ، وَلَا يَمُنُّ عَلَيْهِمْ فَيُطْلِقُهُمْ بِغَيْرِ عِوَضٍ . وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمَنَّ خَاصٌّ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ غَيْرِهِ . قَالَ : وَالتَّخْصِيصُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِدَلِيلٍ .

وَقَوْلُهُ تَعَالَى : فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً الْآيَةُ ، عَامٌّ لِجَمَاعَةِ الْأُمَّةِ كُلِّهِمْ ، لَيْسَ فِيهِ تَخْصِيصٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . انْتَهَى . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَمُنَّ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنَ الْأُسَارَى ، وَيَقْتُلَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ ، وَيَفْدِي مَنْ شَاءَ .

وَاخْتَارَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ الْقَتْلَ عَلَى الْفِدَاءِ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : بَلَغَنِي أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ ، يَعْنِي قَوْلُهُ : فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً نَسَخَهَا قَوْلُهُ : وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ : قُلْتُ لِأَحْمَدَ : إِذَا أُسِرَ الْأَسِيرُ يُقْتَلُ أَوْ يُفَادَى أَحَبُّ إِلَيْكَ ؟ قَالَ : إِنْ قَدَرَ أَنْ يُفَادَى فَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ ، وَإِنْ قُتِلَ فَمَا أَعْلَمُ بِهِ بَأْسًا . قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ : الْإِثْخَانُ أَحَبُّ إِلَيَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا فَأَطْمَعُ بِهِ الْكَثِيرَ .

انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث