بَاب مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ إِنْفَادِ الزَّادِ فِي الْغَزْوِ إِذَا قَفَلَ
بَابٌ مَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ . ( يُسْتَحَبُّ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( مِنْ إِنْفَادِ الزَّادِ ) : أَيْ مِنْ أَجْلِ فَنَاءِ الزَّادِ وَانْقِطَاعِهِ . قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ : نَفِدَ يَنْفَدُ ، مِنْ بَابِ تَعِبَ ، نَفَادًا فَنِيَ وَانْقَطَعَ ( إِذَا قَفَلَ ) : أَيْ رَجَعَ عَنِ الْغَزْوِ .
فَثَبَتَ بِالْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ يُرِيدُ السَّفَرَ لِلْغَزْوِ وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَا يَكْفِيهِ وَمَا يَتَهَيَّأُ بِهِ لِلْغَزْوِ فَلَهُ أَنْ يَسْأَلَ غَيْرَهُ لِإِنْجَاحِ هَذَا الْأَمْرِ ، وَلَمَّا جَازَ لَهُ ذَلِكَ فَسُؤَالُهُ عَنْ غَيْرِهِ وَقْتَ فَنَاءِ الزَّادِ عِنْدَ الْمُرَاجَعَةِ عَنِ الْغَزْوِ إِلَى الْوَطَنِ يَجُوزُ لَهُ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى لِأَنَّ احْتِيَاجَهُ فِي السَّفَرِ أَشَدُّ وَقَطْعَ مَسَافَةِ السَّفَرِ عَلَيْهِ أَشَقُّ وَلَيْسَ لَهُ أَنِيسٌ إِلَّا مَنْ هُوَ يَطْلُبُ مِنْهُ وَيَسْأَلُ عَنْهُ . هَذَا مَا يُفْهَمُ مِنْ تَبْوِيبِ الْمُؤَلِّفِ . كَذَا فِي الشَّرْحِ .
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسماعيل ، نَا حَمَّادٌ ، أَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ فَتًى مِنْ أَسْلَمَ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي أُرِيدُ الْجِهَادَ ، وَلَيْسَ لِي مَالٌ أَتَجَهَّزُ بِهِ ؟ قَالَ : اذْهَبْ إِلَى فُلَانٍ الْأَنْصَارِيِّ ؛ فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ تَجَهَّزَ ، فَمَرِضَ ، فَقُلْ لَهُ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ ، وَقُلْ لَهُ : ادْفَعْ إِلَيَّ مَا تَجَهَّزْتَ بِهِ فَأَتَاهُ فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ : يَا فُلَانَةُ ، ادْفَعِي إليَهُ مَا جَهَّزْتِنِي بِهِ ، وَلَا تَحْبِسِي مِنْهُ شَيْئًا ، فَوَاللَّهِ لَا تَحْبِسِينَ مِنْهُ شَيْئًا فَيُبَارِكَ اللَّهُ فِيهِ ( مِنْ أَسْلَمَ ) : قَبِيلَةٌ ( لَيْسَ لِي مَالٌ أَتَجَهَّزُ بِهِ ) : أَيْ أَتَهَيَّأُ بِهِ لِلْغَزْوِ ( مَا جَهَّزْتِنِي بِهِ ) : قَالَ فِي الْمَجْمَعِ : تَجْهِيزُ الْغَازِي تَحْمِيلُهُ وَإِعْدَادُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي غَزْوِهِ . وَقَالَ الْقَامُوسُ : جَهَازُ الْمُسَافِرِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ ، وَقَدْ جَهَّزَهُ تَجْهِيزًا فَتَجَهَّزَ ( وَلَا تَحْبِسِي ) : أَيْ لَا تَمْنَعِي ( فَوَاللَّهِ لَا تَحْبِسِينَ مِنْهُ ) : أَيْ مِمَّا جَهَّزْتِنِي . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَفِيهِ أَنَّ مَا نَوَى الْإِنْسَانُ صَرْفَهُ فِي جِهَةِ بِرٍّ فَتَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الْجِهَةُ يُسْتَحَبُّ لَهُ بَذْلُهُ فِي جِهَةٍ أُخْرَى مِنَ الْبِرِّ وَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ مَا لَمْ يَلْزَمْهُ بِالنَّذْرِ ، انْتَهَى .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .