بَاب فِي حَمْلِ السِّلَاحِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ
بَابٌ فِي حَمْلِ السِّلَاحِ : وَآلَاتِ الْحَرْبِ ( إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ ) : أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ يَحْمِلُ السِّلَاحَ مُسْلِمٌ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ أَوْ يُعْطِي مُسْلِمٌ لِلْكَافِرِ أن يَذْهَبَ بِهِ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ ، فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ ؟ فَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى جَوَازِ الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ صَرِيحًا وَعَلَى الصُّورَةِ الْأُولَى اسْتِنْبَاطًا . حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، َنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، نِا أَبِي ، عَنْ أَبِي إسحاق ، عَنْ ذِي الْجَوْشَنِ رَجُلٍ مِنْ الضِّبَابِ قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ أَنْ فَرَغَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ بِابْنِ فَرَسٍ لِي يُقَالُ لَهَا : الْقَرْحَاءُ ، فَقُلْتُ : يَا مُحَمَّدُ إِنِّي قَدْ جِئْتُكَ بِابْنِ الْقَرْحَاءِ لِتَتَّخِذَهُ قَالَ : لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ ، فإِنْ شِئْتَ أَنْ أَقِيضَكَ بِهِ الْمُخْتَارَةَ مِنْ دُرُوعِ بَدْرٍ فَعَلْتُ . قُلْتُ : مَا كُنْتُ أَقِيضُهُ الْيَوْمَ بِغُرَّةٍ قَالَ : فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهِ ( يُونُسُ ) : هُوَ ابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ .
وَلَفْظُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ ذِي الْجَوْشَنِ الضِّبَابِيِّ ( رَجُلٍ مِنَ الضِّبَابِ ) : بَدَلٌ مِنْ ذِي الْجَوْشَنِ . وَالضِّبَابُ بِكَسْرِ الضَّادِ هُوَ ابْنُ كِلَابِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ الْعَامِرِيُّ الْكِلَابِيُّ ثُمَّ الضِّبَابِيُّ ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ ذُو الْجَوْشَنِ لِأَنَّ صَدْرَهُ كَانَ نَاتِيًا . وَيُقَالُ : إِنَّهُ لُقِّبَ ذَا الْجَوْشَنِ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى كِسْرَى فَأَعْطَاهُ جَوْشَنًا فَلَبِسَهُ فَكَانَ أَوَّلُ عَرَبِيٍّ لَبِسَهُ ، وهُوَ وَالِدَ شَمِرِ بْنِ ذِي الْجَوْشَنِ ( أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : أَيْ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ ( يُقَالُ لَهَا ) : أَيْ لِلْفَرَسِ ، وَالْفَرَسُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ ( الْقَرْحَاءُ ) : بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ هَذَا لَقَبٌ لِفَرَسِهِ ( لِتَتَّخِذَهُ ) : أَيِ ابْنَ الْفَرَسِ عَنِّي مَجَّانًا وَتَجْعَلَهُ لِنَفْسِكَ وَتَسْتَعْمِلَهُ ( قَالَ ) : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ ) : أَيْ فِي ابْنِ الْفَرَسِ ، وَكَأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ أَنْ لَا يَسْتَعِينَ بِأَهْلِ الشِّرْكِ وَلَا يَأْخُذَ عَنْهُ مَجَّانًا ( أَنْ أُقَيِضَكَ بِهِ ) : أَيْ بِابْنِ الْفَرَسِ .
قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : أَيْ أُبْدِلَكَ بِهِ وَأُعَوِّضَكَ عَنْهُ ، وَقَدْ قَاضَهُ يَقِيضُهُ وَقَايَضَهُ مُقَايَضَةً فِي الْبَيْعِ إِذَا أَعْطَاهُ سِلْعَةً وَأَخَذَ عِوَضَهَا سِلْعَةً ، انْتَهَى . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ أُبْدِلُكَ بِهِ وَأُعَوِّضُكَ مِنْهُ ، وَالْمُقَايَضَةُ فِي الْبُيُوعِ الْمُعَاوَضَةُ أَنْ يُعْطَى مَتَاعًا وَيَأْخُذَ آخَرَ لَا نَقْدَ فِيهِ ، انْتَهَى . ( الْمُخْتَارَةُ ) : أَيِ الدِّرْعُ الْمُخْتَارَةُ وَالْمُنْتَقَاةُ وَالنَّفِيسَةُ .
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ : دِرْعُ الْحَدِيدِ مُؤَنَّثَةٌ فِي الْأَكْثَرِ ( مِنْ دُرُوعِ بَدْرٍ ) : الدِّرْعُ ثَوْبٌ يُنْسَخ مِنْ ذرد الْحَدِيدِ يُلْبَسُ فِي الْحَرْبِ وِقَايَةً مِنْ سِلَاحِ الْعَدُوِّ ، وَجَمْعُهَا أَدْرُعٌ وَدِرَاعٌ وَدُرُوعٌ ، وَمُصَغَّرُهَا دُرَيْعٌ بِلَا تَاءٍ ، ( فَعَلْتُ ) : هَذَا هُوَ مَحَلُّ تَرْجَمَةِ الْبَابِ أَيْ أَقْبَلُ وَآخُذُ مِنْكَ ابْنَ الْفَرَسِ عِوَضًا لِلدِّرْعِ مِنِّي ، لَكِنْ مَا رَضِيَ بِهِ ذُو الْجَوْشَنِ ، وَأَجَابَ بِقَوْلِهِ ( مَا كُنْتُ أُقِيضُهُ ) : أَيْ أُبْدِلُ ابْنَ الْفَرَسِ ( بِغُرَّةٍ ) : بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ بِفَرَسٍ فَكَيْفَ أُبْدِلُ بِالشَّيْءِ الْآخَرِ هُوَ دُونَ الْفَرَسِ أَيِ الدِّرْعِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : فِيهِ أَنْ يُسَمَّى الْفَرَسُ غُرَّةً وَأَكْثَرُ مَا جَاءَ ذِكْرُ الْغُرَّةِ فِي الْحَدِيثِ إِنَّمَا يُرَادُ بِهَا التَّسْمِيَةُ مِنْ أَوْلَادِ آدَمَ عَبْدًا أَوْ أَمَةً ، انْتَهَى . وَفِي النِّهَايَةِ : سُمِّيَ الْفَرَسُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ غُرَّةً وَأَكْثَرُ مَا يُطْلَقُ عَلَى الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالْغُرَّةِ النَّفِيسَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ مَا كُنْتُ لِأُقِيضَهُ بِالشَّيْءِ النَّفِيسِ الْمَرْغُوبِ فِيهِ ، انْتَهَى .
قُلْتُ : هَذَا الْمَعْنَى حَسَنٌ جِدًّا ( قَالَ ) : أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهِ ) : أَيْ فِي ابْنِ الْفَرَسِ مَجَّانًا بِغَيْرِ عِوَضٍ . وَزَادَ فِي أُسْدِ الْغَابَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا ذَا الْجَوْشَنِ أَلَا تُسْلِمُ فَتَكُونَ مِنْ أَوَّلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ ؟ قَالَ : قُلْتُ : لَا ، قَالَ : وَلِمَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : لِأَنِّي قَدْ رَأَيْتُ قَوْمَكَ قَدْ وَلِعُوا بِكَ ، قَالَ : وَكَيْفَ وَقَدْ بَلَغَكَ مَصَارِعُهُمْ ؟ قَالَ : قُلْتُ : بَلَغَنِي ، قَالَ : فَأَنَّى يُهْدَى بِكَ ؟ قُلْتُ : أَنْ تَغْلِبَ عَلَى الْكَعْبَةِ وَتَقْطُنَهَا ، قَالَ : لَعَلَّ إِنْ عِشْتَ أَنْ تَرَى ذَلِكَ . ثُمَّ قَالَ : يَا بِلَالُ خُذْ حَقِيبَةَ الرَّجُلِ فَزَوِّدْهُ مِنَ الْعَجْوَةِ ، فَلَمَّا أَدْبَرْتُ قَالَ : إِنَّهُ مِنْ خَيْرِ فُرْسَانِ بَنِي عَامِرٍ .
قَالَ : فَوَاللَّهِ إِنِّي بِأَهْلِي بِالْعَوْدَةِ إِذْ أَقْبَلَ رَاكِبٌ فَقُلْتُ مِنْ أَيْنَ ؟ قَالَ : مِنْ مَكَّةَ ، فَقُلْتُ : مَا الْخَبَرُ ؟ قَالَ : غَلَبَ عَلَيْهَا مُحَمَّدٌ وَقَطَنَهَا . قَالَ : قُلْتُ : هَبِلَتْنِي أُمِّي لَوْ أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ . قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : قِيلَ : إِنَّ أَبَا إِسْحَاقَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ ، وَإِنَّمَا سَمِعَ حَدِيثَهُ مِنِ ابْنِهِ شَمِرِ بْنِ ذِي الْجَوْشَنِ عَنْهُ ، انْتَهَى .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : ذُو الْجَوْشَنِ اسْمُهُ أَوْسٌ ، وَقِيلَ : شُرَحْبِيلُ ، وَقِيلَ : عُثْمَانُ ، وَسُمِّيَ ذَا الْجَوْشَنِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ صَدْرَهُ كَانَ نَاتِئًا ، وَقِيلَ : إِنَّ أَبَا إِسْحَاقَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ ، وَإِنَّمَا سَمِعَ مِنَ ابْنِهِ شَمِرٍ . وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ : وَلَا أَعْلَمُ لِذِي الْجَوْشَنِ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَيُقَالُ : إِنَّ أَبَا إِسْحَاقَ سَمِعَهُ مِنْ شَمِرِ بْنِ ذِي الْجَوْشَنِ عَنْ أَبِيهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ .
وَالْحَدِيثُ لَا يَثْبُتُ ، فَإِنَّهُ دَائِرٌ بَيْنَ الِانْقِطَاعِ أَوْ رِوَايَةِ مَنْ لَا يُعْتَمَدُ عَلَى رِوَايَتِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، انْتَهَى كَلَامُهُ . كَذَا فِي الشَّرْحِ .