بَاب فِي الشَّاةِ يُضَحَّى بِهَا عَنْ جَمَاعَةٍ
بَابٌ : فِي الشَّاةِ يُضَحَّى بِهَا عَنْ جَمَاعَةٍ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، قال : ثنا يَعْقُوبُ يَعْنِي : الْإِسْكَنْدَرَانِيَّ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ الْمُطَّلِبِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَضْحَى في الْمُصَلَّى ، فَلَمَّا قَضَى خُطْبَتَهُ نَزَلَ مِنْ مِنْبَرِهِ ، وَأُتِيَ بِكَبْشٍ فَذَبَحَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ ، وَقَالَ : بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ ، هَذَا عَنِّي وَعَمَّنْ لَمْ يُضَحِّ مِنْ أُمَّتِي باب في الشاة يضحى بها عن جماعة ( نَزَلَ مِنْ مِنْبَرِهِ ) : فِيهِ ثُبُوتُ وُجُودِ الْمِنْبَرِ فِي الْمُصَلَّى وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَخْطُبُ عَلَيْهِ ، ( هَذَا عَنِّي وَعَمَّنْ لَمْ يُضَحِّ مِنْ أُمَّتِي ) : قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ : اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ يَقُولُ : الشَّاةُ الْوَاحِدَةُ إِذَا ضَحَّى بِهَا وَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ تَأَدَّى الشِّعَارُ وَالسُّنَّةُ بِجَمِيعِهِمْ ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ التَّضْحِيَةُ سُنَّةَ كِفَايَةٍ لِأَهْلِ بَيْتٍ وَهُوَ مَحْمَلُ الْحَدِيثِ ، وَمَنْ لَا يَقُولُ بِهِ يَحْمِلُ الْحَدِيثَ عَلَى الِاشْتِرَاكِ فِي الثَّوَابِ ، قِيلَ : وَهُوَ الْأَوْجَهُ فِي الْحَدِيثِ عِنْدَ الْكُلِّ . انْتَهَى . قُلْتُ : الْمَذْهَبُ الْحَقُّ هُوَ أَنَّ الشَّاةَ تُجْزِئُ عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قَالَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ : كَانَ الرَّجُلُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُضَحِّي بِالشَّاةِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ فَيَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ حَتَّى تَبَاهَى النَّاسُ فَصَارَ كَمَا تَرَى رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ . وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِي سَرِيحَةَ قَالَ : حَمَلَنِي أَهْلِي عَلَى الْجَفَاءِ بَعْدَمَا عَلِمْتُ مِنَ السُّنَّةِ ، كَانَ أَهْلَ الْبَيْتِ يُضَحُّونَ بِالشَّاةِ وَالشَّاتَيْنِ وَالْآنَ يَبْخَلُنَا جِيرَانُنَا . قَالَ السِّنْدِيُّ : إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ .
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، الْحَدِيثُ فِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ ، وَقَدْ مَرَّ فِي بَابِ مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ الضَّحَايَا . وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ : صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُضَحِّي بِالشَّاةِ الْوَاحِدَةِ عَنْ جَمِيعِ أَهْلِهِ . وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ فَقَالَ عِنْدَ الْأَوَّلِ : عَنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَعِنْدَ الثَّانِي : عَمَّنْ آمَنَ بِي وَصَدَّقَنِي مِنْ أُمَّتِي ، وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ : ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ قَرَّبَ أَحَدَهُمَا فَقَالَ : بِاسْمِ اللَّهِ ، اللَّهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ ، هَذَا مِنْ مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ ، وَقَرَّبَ الْآخَرَ فَقَالَ : بِاسْمِ اللَّهِ ، اللَّهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ هَذَا عَمَّنْ وَحَّدَكَ مِنْ أُمَّتِي .
وَقَدْ أَوْرَدَ أَحَادِيثَ الْبَابِ بِأَسْرِهَا الْحَافِظُ جَمَالُ الدِّينِ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الْهِدَايَةِ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي بَابِ الشَّاةِ الْوَاحِدَةِ تُجْزِئُ عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ : وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ ، وَاحْتَجَّا بِحَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ ضَحَّى بِكَبْشٍ فَقَالَ : هَذَا عَمَّنْ لَمْ يُضَحِّ مِنْ أُمَّتِي . انْتَهَى .
وَقَالَ الْحَافِظُ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ : قَوْلُهُ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشَّاةَ الْوَاحِدَةَ تُجْزِئُ عَنِ الرَّجُلِ وَعَنْ أَهْلِهِ وَإِنْ كَثُرُوا ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمَا كَانَا يَفْعَلَانِ ذَلِكَ ، وَأَجَازَهُ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ ، وَكَرِهَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى . انْتَهَى . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُضَحِّي بِالضَّحِيَّةِ الْوَاحِدَةِ عَنْ جَمَاعَةِ أَهْلِهِ .
انْتَهَى . وَأَوْرَدَ الزَّيْلَعِيُّ أَحَادِيثَ إِجْزَاءِ الشَّاةِ الْوَاحِدَةِ ثُمَّ قَالَ : وَيُشْكِلُ عَلَى الْمَذْهَبِ فِي مَنْعِهِمُ الشَّاةَ لِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ بِالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحَّى بِكَبْشٍ عَنْهُ وَعَنْ أُمَّتِهِ . وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُضَحِّي بِالشَّاةِ الْوَاحِدَةِ عَنْ جَمِيعِ أَهْلِهِ ، وَقَالَ : صَحِيحُ الْإِسْنَادِ ، وَهُوَ خِلَافُ مَنْ يَقُولُ : إِنَّهَا لَا تُجْزِئُ إِلَّا عَنِ الْوَاحِدِ .
انْتَهَى . وَمَذْهَبُ لَيْثِ بْنِ سَعْدٍ أَيْضًا بِجَوَازِهِ كَمَا حَكَاهُ عَنْهُ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ . وَقَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي زَادِ الْمَعَادِ : وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الشَّاةَ تُجْزِئُ عَنِ الرَّجُلِ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَلَوْ كَثُرَ عَدَدُهُمْ ، كَمَا قَالَ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ .
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، انْتَهَى مُخْتَصَرًا . وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي الْعَبَّاسِ ثَنَا بَقِيَّةُ قَالَ : حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ زُفَرَ الْجُهَنِيُّ حَدَّثَنِي أَبُو الْأَشَدِّ السُّلَمِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ : كُنْتُ سَابِعَ سَبْعَةٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : فَأَمَرَنَا نَجْمَعُ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنَّا دِرْهَمًا فَاشْتَرَيْنَا أُضْحِيَّةً بِسَبْعِ الدَّرَاهِمِ ، فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ أَغْلَيْنَا بِهَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ أَفْضَلَ الضَّحَايَا أَغْلَاهَا وَأَسْمَنَهَا ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَ رَجُلٌ بِرِجْلٍ وَرَجُلٌ بِرِجْلٍ وَرَجُلٌ بِيَدٍ وَرَجُلٌ بِيَدٍ وَرَجُلٌ بِقَرْنٍ وَرَجُلٌ بِقَرْنٍ وَذَبَحَهَا السَّابِعُ وَكَبَّرْنَا عَلَيْهَا جَمِيعًا . قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي آخِرِ إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ بَعْدَ إِيرَادِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ : نَزَلَ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ مَنْزِلَةَ أَهْلِ الْبَيْتِ الْوَاحِدِ فِي إِجْزَاءِ الشَّاةِ عَنْهُمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا رُفْقَةً وَاحِدَةً .
انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ فِي بَابِ الْأُضْحِيَّةِ لِلْمُسَافِرِ وَالنِّسَاءِ : وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ ضَحِيَّةَ الرَّجُلِ تُجْزِئُ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ وَادَّعَى الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ مَخْصُوصٌ أَوْ مَنْسُوخٌ وَلَمْ يَأْتِ لِذَلِكَ بِدَلِيلٍ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ نِسَائِهِ بِأُضْحِيَّةٍ مَعَ تَكْرَارِ سِني الضَّحَايَا وَمَعَ تَعَدُّدِهِنَّ ، وَالْعَادَةُ تَقْضِي بِنَقْلِ ذَلِكَ لَوْ وَقَعَ كَمَا نُقِلَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْجُزْئِيَّاتِ .
وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ مَالِكٌ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ : سَأَلْتُ أَبَا أَيُّوبَ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . انْتَهَى . وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي السَّيْلِ الْجَرَّارِ : وَالْحَقُّ أَنَّهَا تُجْزِئُ عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ وَإِنْ كَانُوا مِائَةَ نَفْسٍ ، انْتَهَى ، وَهَكَذَا فِي النَّيْلِ وَالدَّرَارِيِّ الْمُضِيئَةِ كِلَاهُمَا لِلشَّوْكَانِيِّ وَكَذَا فِي سُبُلِ السَّلَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كُتُبِ الْمُحَدِّثِينَ .
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الشَّاةَ الْوَاحِدَةَ تُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ دُونَ الْهَدْيِ عَنِ الرَّجُلِ وَعَنْ أَهْلِهِ وَإِنْ كَثُرُوا كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ ، وَرِوَايَةُ جَابِرٍ عِنْدَ الدَّارِمِيِّ وَأَصْحَابِ السُّنَنِ ، وَرِوَايَةُ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ عِنْدَ مَالِكٍ وَالتِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ ، وَرِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشَامٍ وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ الْحَاكِمِ فِي الْمُسْتَدْرَكِ ، وَرِوَايَةُ أَبِي طَلْحَةَ وَأَنَسٍ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَرِوَايَةُ أَبِي رَافِعٍ ، وَجَدِّ أَبِي الْأَشَدِّ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَرِوَايَةُ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الصَّحَابَةِ . وَمَا زَعَمَهُ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَنْسُوخٌ أَوْ مَخْصُوصٌ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَغَلَّطَهُ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ كَمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ . فَإِنَّ النَّسْخَ وَالتَّخْصِيصَ لَا يَثْبُتَانِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى بَلْ رَوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَأَجَازَهُ الْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْأَئِمَّةِ .
وَمُتَمَسَّكُ مَنْ قَالَ : إِنَّ الشَّاةَ الْوَاحِدَةَ فِي الْأُضْحِيَّةِ لَا تُجْزِئُ عَنْ جَمَاعَةٍ الْقِيَاسُ عَلَى الْهَدْيِ وَهُوَ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ ؛ لِأَنَّهُ قِيَاسٌ فِي مُقَابِلِ النَّصِّ ، وَالضَّحِيَّةُ غَيْرُ الْهَدْيِ وَلَهُمَا حُكْمَانِ مُخْتَلِفَانِ فَلَا يُقَاسُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ ؛ لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ عَلَى التَّفْرِقَةِ فَوَجَبَ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْقِيَاسِ فَالصَّوَابُ جَوَازُهُ ، وَالْحَقُّ مَعَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ الْمَذْكُورِينَ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُمْ . انْتَهَى مُخْتَصَرًا مِنْ غَايَةِ الْمَقْصُودِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ .
وَقَالَ الْمُطَّلِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ : يُقَالُ : إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ جَابِرٍ . هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ : يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ أَدْرَكَهُ .