بَاب فِي خَبَرِ النَّضِيرِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ ، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أنا ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ يَهُودَ النَّضِيرِ وَقُرَيْظَةَ حَارَبُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَجْلَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَنِي النَّضِيرِ ، وَأَقَرَّ قُرَيْظَةَ ، وَمَنَّ عَلَيْهِمْ حَتَّى حَارَبَتْ قُرَيْظَةُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَتَلَ رِجَالَهُمْ ، وَقَسَمَ نِسَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا بَعْضَهُمْ لَحِقُوا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَّنَهُمْ ، وَأَسْلَمُوا وَأَجْلَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَهُودَ الْمَدِينَةِ كُلَّهُمْ بَنِي قَيْنُقَاعَ ، وَهُمْ قَوْمُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ، وَيَهُودَ بَنِي حَارِثَةَ ، وَكُلَّ يَهُودِيٍّ كَانَ بِالْمَدِينَةِ . ( فَأَمَّنَهُمْ ) أَيْ أَعْطَاهُمُ الْأَمَانَ ( بَنِي قَيْنُقَاعَ ) : هُوَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ وَنُونُ قَيْنُقَاعَ مُثَلَّثَةٌ ، وَالْأَشْهَرُ فِيهَا الضَّمُّ ، وَكَانُوا أَوَّلَ مَنْ أُخْرِجُوا مِنَ الْمَدِينَةِ . قَالَهُ الْحَافِظُ ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُعَاهَدَ وَالذِّمِّيَّ إِذَا نَقَضَ الْعَهْدَ صَارَ حَرْبِيًّا وَجَرَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ أَهْلِ الْحَرْبِ ، وَلِلْإِمَامِ سَبْيُ مَنْ أَرَادَ مِنْهُمْ ، وَلَهُ الْمَنُّ عَلَى مَنْ أَرَادَ .
وَفِيهِ أَنَّهُ إِذَا مَنَّ عَلَيْهِ ثُمَّ ظَهَرَ مِنْهُ مُحَارَبَةٌ انْتُقِضَ عَهْدُهُ ، وَإِنَّمَا يَنْفَعُ الْمَنُّ فِيمَا مَضَى لَا فِيمَا يُسْتَقْبَلُ ، وَكَانَتْ قُرَيْظَةُ فِي أَمَانٍ ، ثُمَّ حَارَبُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَقَضُوا الْعَهْدَ ، وَظَاهَرُوا قُرَيْشًا عَلَى قِتَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فِي غَزْوَةِ الْأَحْزَابِ سَنَةَ خَمْسٍ عَلَى الصَّحِيحِ . وَذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي الْمَغَازِي قَالَ : خَرَجَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ بَعْدَ بَنِي النَّضِيرِ إِلَى مَكَّةَ يُحَرِّضُ الْمُشْرِكِينَ عَلَى حَرْبِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَخَرَجَ كِنَانَةُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ يَسْعَى فِي غَطَفَانَ وَيُحَرِّضُهُمْ عَلَى قِتَالِهِ عَلَى أَنَّ لَهُمْ نِصْفَ تَمْرِ خَيْبَرَ ، فَأَجَابَهُ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ إِلَى ذَلِكَ ، وَكَتَبُوا إِلَى حُلَفَائِهِمْ مِنْ بَنِي أَسَدٍ ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِمْ طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ فِيمَنْ أَطَاعَهُ ، وَخَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ بِقُرَيْشٍ ، فَنَزَلُوا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ ، فَجَاءَهُمْ مَنْ أَجَابَهُمْ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ مَدَدًا لَهُمْ ، فَصَارُوا فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ ، فَهُمُ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ اللَّهُ الْأَحْزَابَ . انْتَهَى .
وَفِي شَرْحِ الْمَوَاهِبِ : وَكَانَ مِنْ حَدِيثِ هَذِهِ الْغَزْوَةِ أَنْ نَفَرًا مِنْ يَهُودَ مِنْهُمْ سَلَّامُ بْنُ مِشْكَمٍ ، وَابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ وَحُيَيٌّ وَكِنَانَةُ النَّضِيرِيُّونَ وَهَوْذَةُ بْنُ قَيْسٍ وَأَبُو عَمَّارٍ الْوَائِلِيَّانِ خَرَجُوا مِنْ خَيْبَرَ حَتَّى قَدِمُوا عَلَى قُرَيْشٍ مَكَّةَ ، وَقَالُوا : إِنَّا سَنَكُونُ مَعَكُمْ عَلَيْهِ حَتَّى نَسْتَأْصِلَهُ ، فَاجْتَمَعُوا لِذَلِكَ ، وَاتَّعَدُوا لَهُ ، ثُمَّ خَرَجَ أُولَئِكَ الْيَهُودُ حَتَّى جَاءُوا غَطَفَانَ فَدَعَوْهُمْ إِلَى حَرْبِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّهُمْ سَيَكُونُونَ مَعَهُمْ عَلَيْهِ ، وَأَنَّ قُرَيْشًا قَدْ تَابَعُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَاجْتَمَعُوا مَعَهُمْ ، فَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ وَقَائِدُهَا أَبُو سُفْيَانَ ، وَخَرَجَتْ غَطَفَانُ وَقَائِدُهَا عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ فِي فَزَارَةَ وَالْحَارِثِ بْنِ عَوْفٍ الْمُرِّيِّ فِي بَنِي مُرَّةَ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ ، وَالْمُسْلِمُونَ ثَلَاثَةُ آلَافٍ ، وَقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ انْتَهَى مُخْتَصَرًا . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ .