حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عون المعبود شرح سنن أبي داود

بَاب مَا جَاءَ فِي خَبَرِ مَكَّةَ

بَابُ مَا جَاءَ فِي خَبَرِ مَكَّةَ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، نا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، نا ابْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسحاق ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفَتْحِ جَاءَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ ، فَأَسْلَمَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ يُحِبُّ هَذَا الْفَخْرِ ، فَلَوْ جَعَلْتَ لَهُ شَيْئًا ؟ قَالَ : نَعَمْ مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ ، وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ بَاب مَا جَاءَ فِي خَبَرِ مَكَّةَ وَكَانَ فَتْحُ مَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْفَتْحِ الْأَعْظَمِ مِنْ بَقِيَّةِ الْفُتُوحَاتِ قَبْلَهُ كَخَيْبَرَ وَفَدَكَ وَالْحُدَيْبِيَةِ ، وَكَانَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ . وَأَمَّا فَتْحُهَا فَهُوَ عَنْوَةٌ وَقَهْرا عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ ، وَلَمْ يُقَسِّمْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الْفَتْحِ فَأَشْكَلَ عَلَى كُلِّ طَائِفَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْجَمْعُ بَيْنَ فَتْحِهَا عَنْوَةً وَتَرْكِ قِسْمَتِهَا ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لِأَنَّهَا دَارُ الْمَنَاسِكِ وَهِيَ وَقْفٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ وَهُمْ فِيهَا سَوَاءٌ فَلَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهَا ، ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ مَنَعَ بَيْعَهَا وَإِجَارَتَهَا وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ بَيْعَ رِبَاعِهَا وَمَنَعَ إِجَارَتَهَا . وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمَّا لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ الْعَنْوَةِ وَبَيْنَ عَدَمِ الْقِسْمَةِ قَالَ : إِنَّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا فَلِذَلِكَ لَمْ تُقْسَمْ ، قَالَ : وَلَوْ فُتِحَتْ عَنْوَةً لَكَانَتْ غَنِيمَةً فَيَجِبُ قِسْمَتُهَا كَمَا تَجِبُ قِسْمَةُ الْحَيَوَانِ وَالْمَنْقُولِ ، وَلَمْ يَرَ مَنْعَ بَيْعِ رِبَاعِ مَكَّةَ وَإِجَارَتِهَا ، وَاحْتَجَّ [ بِأَنَّهَا مِلْكٌ لِأَرْبَابِهَا تُورَثُ عَنْهُمْ وَتُوهَبُ ، وَأَضَافَهَا اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِمْ إِضَافَةَ الْمِلْكِ إِلَى مَالِكِهِ ، وَاشْتَرَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ دَارًا مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ، وَقِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ ؟ فَقَالَ : وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعِ فَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ .

فَلَمَّا كَانَ أَصْلُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْأَرْضَ مِنَ الْغَنَائِمِ ، وَأَنَّ الْغَنَائِمَ تَجِبُ قِسْمَتُهَا ، وَأَنَّ مَكَّةَ تُمْلَكُ وَتُبَاعُ دُورُهَا وَرِبَاعُهَا ، وَلَمْ تُقْسَمْ لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ كَوْنِهَا فُتِحَتْ صُلْحًا . لَكِنْ مَنْ تَأَمَّلَ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ وَجَدَهَا كُلَّهَا دَالَّةً عَلَى قَوْلِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَأَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً . ثُمَّ اخْتَلَفُوا لِأَيِّ شَيْءٍ لَمْ يَقْسِمْهَا ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ لِأَنَّهَا دَارُ النُّسُكِ وَمَحَلُّ الْعِبَادَةِ ، فَهِيَ وَقْفٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ الْمُسْلِمِينَ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : الْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِي الْأَرْضِ بَيْنَ قِسْمَتِهَا وَبَيْنَ وَقْفِهَا ، وَالنَّبِيٌّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسَّمَ خَيْبَرَ وَلَمْ يُقَسِّمْ مَكَّةَ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ الْأَمْرَيْنِ .

قَالُوا : وَالْأَرْضُ لَا تَدْخُلُ فِي الْغَنَائِمِ والْمَأْمُورِ بِقِسْمَتِهَا بَلِ الْغَنَائِمُ هِيَ الْحَيَوَانُ وَالْمَنْقُولُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُحِلَّ الْغَنَائِمَ لِأُمَّةٍ غَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَأَحَلَّ لَهُمْ دِيَارَ الْكُفْرِ وَأَرْضِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى : وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ - إِلَى قَوْلِهِ - يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَقَالَ فِي دِيَارِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ وَأَرْضِهِمْ ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَعُلِمَ أَنَّ الْأَرْضَ لَا تَدْخُلُ فِي الْغَنَائِمِ ، وَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِيهَا بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ ، وَقَدْ قَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَرَكَ ، وَعُمَرُ لَمْ يُقَسِّمْ بَلْ أَقَرَّهَا عَلَى حَالِهَا وَضَرَبَ عَلَيْهَا خَرَاجًا مُسْتَمِرًّا فِي رَقَبَتِهَا تَكُونُ لِلْمُقَاتِلَةِ ، فَهَذَا مَعْنَى وَقْفِهَا ، لَيْسَ مَعْنَاهُ الْوَقْفُ الَّذِي يَمْنَعُ مِنْ نَقْلِ الْمِلْكِ فِي الرَّقَبَةِ ، بَلْ يَجُوزُ بَيْعُ هَذِهِ الْأَرْضِ كَمَا هُوَ عَمَلُ الْأُمَّةِ . وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا تُورَثُ وَالْوَقْفُ لَا يُورَثُ . كَذَا فِي زَادِ الْمَعَادِ .

( عَامَ الْفَتْحِ ) : ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ جَاءَهُ ( فَأَسْلَمَ ) : أَيْ أَبُو سُفْيَانَ ( بِمَرِّ الظَّهْرَانِ ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَشِدَّةِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ الْهَاءِ وَبِالرَّاءِ وَالنُّونِ مَوْضِعٌ بِقُرْبِ مَكَّةَ ( فَقَالَ لَهُ ) : أَيْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( يُحِبُّ هَذَا الْفَخْرَ ) : أَيْ يُحِبُّ هَذَا الْفَخْرَ الَّذِي يَفْتَخِرُونَ بِهِ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا . وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ يُحِبُّ السَّمَاعَ ، يَعْنِي الشَّرَفَ ، فَقَالَ : مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ ، فَقَالَ : وَمَا تَسَعُ دَارِي ، زَادَ ابْنُ عُقْبَةَ : وَمَنْ دَخَلَ دَارَ حَكِيمٍ فَهُوَ آمِنٌ ، وَهِيَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ ، وَدَارُ أَبِي سُفْيَانَ بِأَعْلَاهَا ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ ، قَالَ : وَمَا يَسَعُ الْمَسْجِدُ ، قَالَ : وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ . قَالَ أَبُو سُفْيَانَ : هَذِهِ وَاسِعَةٌ .

انْتَهَى . كَذَا فِي شَرْحِ الْمَوَاهِبِ . ( مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ إِلَخْ ) : اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَمُوَافِقُوهُ عَلَى أَنَّ دُورَ مَكَّةَ مَمْلُوكَةٌ يَصِحُّ بَيْعُهَا وَإِجَارَتُهَا لِأَنَّ أَصْلَ الْإِضَافَةِ إِلَى الْآدَمِيِّينَ يَقْتَضِي ذَلِكَ وَمَا سِوَى ذَلِكَ مَجَازٌ ، وَفِيهِ تَأْلِيفٌ لِأَبِي سُفْيَانَ وَإِظْهَارٌ لِشَرَفِهِ ، قَالَهُ النَّوويُّ ، وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث