بَاب فِي تَعْشِيرِ أَهْلِ الذِّمَّةِ إِذَا اخْتَلَفُوا بِالتِّجَارَاتِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى ، نا أَشْعَثُ بْنُ شُعْبَةَ ، نا أَرْطَاةُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ : سَمِعْتُ حَكِيمَ بْنَ عُمَيْرٍ أَبَا الْأَحْوَصِ يُحَدِّثُ عَنْ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ السُّلَمِيِّ قَالَ : نَزَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ ، وَمَعَهُ مَنْ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ ، وَكَانَ صَاحِبُ خَيْبَرَ رَجُلًا مَارِدًا مُنْكَرًا ، فَأَقْبَلَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ أَلَكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا حُمُرَنَا ، وَتَأْكُلُوا ثَمَرَنَا ، وَتَضْرِبُوا نِسَاءَنَا ؟ فَغَضِبَ يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : يَا ابْنَ عَوْفٍ ارْكَبْ فَرَسَكَ ، ثُمَّ نَادِ : أَلَا إِنَّ الْجَنَّةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِمُؤْمِنٍ ، وَأَنْ اجْتَمِعُوا لِلصَّلَاةِ . قَالَ : فَاجْتَمَعُوا ، ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَامَ فَقَالَ : أَيَحْسَبُ أَحَدُكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَةِ ، قَدْ يَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُحَرِّمْ شَيْئًا إِلَّا مَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ ، أَلَا وَإِنِّي وَاللَّهِ قَدْ وَعَظْتُ وَأَمَرْتُ ، وَنَهَيْتُ عَنْ أَشْيَاءَ إِنَّهَا لَمِثْلُ الْقُرْآنِ ، أَوْ أَكْثَرُ ، وَإِنَّ اللَّهَ تعالى لَمْ يُحِلَّ لَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتَ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا بِإِذْنٍ ، وَلَا ضَرْبَ نِسَائِهِمْ ، وَلَا أَكْلَ ثِمَارِهِمْ إِذَا أَعْطَوْكُمْ الَّذِي عَلَيْهِمْ ( سَمِعْتُ حَكِيمَ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ ( ابْنَ عُمَيْرٍ ) : بِضَمِّ الْعَيْنِ مُصَغَّرًا ( رَجُلًا مَارِدًا ) : أَيْ عَاتِيًا ( حُمُرَنَا ) : بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ حِمَارٍ ( وَأَنِ اجْتَمِعُوا ) : بِصِيغَةِ الْأَمْرِ ( مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَةٍ ) : وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ عَلَى أَرِيكَتِهِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الضَّمِيرِ أَيْ عَلَى سَرِيرِة أَشَارَ إِلَى أن مَنْشَأِ جَهْلِهِ وَعَدَمِ اطِّلَاعِهِ عَلَى السُّنَنِ وَرَدَّهُ هُوَ قِلَّةُ نَظَرِهِ وَدَوَامُ غَفْلَتِهِ بِتَعَهُّدِ الِاتِّكَاءِ وَالرُّقَادِ . كَذَا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ .
وَقَالَ الْقَارِيُّ : عَلَى أَرِيكَتِهِ أَيْ سَرِيرِهِ الْمُزَيَّنِ بِالْحُلَلِ وَالْأَثْوَابِ فِي قُبَّةٍ أَوْ بَيْتٍ كَمَا لِلْعَرُوسِ ، يَعْنِي الَّذِي لَزِمَ الْبَيْتَ وَقَعَدَ عَنْ طَلَبِ الْعِلْمِ . قِيلَ : الْمُرَادُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ الترفه وَالدَّعَةِ كَمَا هُوَ عَادَةُ الْمُتَكَبِّرِ الْمُتَجَبِّرِ الْقَلِيلِ الِاهْتِمَامِ بِأَمْرِ الدِّينِ ، انْتَهَى . ( أَلَا ) : لِلتَّنْبِيهِ ( وَإِنِّي ) : الْوَاوُ لِلْحَالِ ( عَنْ أَشْيَاءَ ) : مُتَعَلِّقٌ بِالنَّهْيِ فَحَسْبُ وَمُتَعَلِّقُ الْوَعْظِ وَالْأَمْرِ مَحْذُوفٌ أَيْ بِأَشْيَاءَ ( إِنَّهَا ) : أَيِ الْأَشْيَاءُ الْمَأْمُورَةُ وَالْمَنْهِيَّةُ عَلَى لِسَانِي بِالْوَحْيِ الْخَفِيِّ .
قَالَ تَعَالَى : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ٣ إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى ﴾( لَمِثْلِ الْقُرْآنِ ) : أَيْ فِي الْمِقْدَارِ ( أَوْ أَكْثَرُ ) : أَيْ بَلْ أَكْثَرُ . قَالَ الْمُظْهِرُ أَوْ فِي قَوْلِهِ : أَوْ أَكْثَرُ ، لَيْسَ لِلشَّكِّ ، بَلْ إِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا يَزَالُ يَزْدَادُ عِلْمًا طَوْرًا بَعْدَ طَوْرٍ وإِلْهَامًا مِنْ قِبَلِ اللَّهِ وَمُكَاشَفَةً لَحْظَةً فَلَحْظَةً ، فَكُوشِفَ لَهُ أَنَّ مَا أُوتِيَ مِنَ الْأَحْكَامِ غَيْرِ الْقُرْآنِ مِثْلُهُ ثُمَّ كُوشِفَ لَهُ بِالزِّيَادَةِ متصلا بِهِ ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ وَفِيهِ تَأَمُّلٌ ، كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ لِلْقَارِيِّ ( لَمْ يُحِلَّ ) : مِنَ الْإِحْلَالِ ( بُيُوتِ أَهْلِ الْكِتَابِ ) : يَعْنِي أَهْلِ الذِّمَّةِ الَّذِينَ قَبِلُوا الْجِزْيَةَ ( إِلَّا بِإِذْنٍ ) : أَيْ إِلَّا أَنْ يَأْذَنُوا لَكُمْ بِالطَّوْعِ وَالرَّغْبَةِ ( إِذَا أَعْطَوْكُمُ الذِي عَلَيْهِمْ ) : أَيْ مِنَ الْجِزْيَةِ . وَالْحَاصِلُ عَدَمُ التَّعَرُّضِ لَهُمْ بِإِيذَائِهِمْ فِي الْمَسْكَنِ وَالْأَهْلِ وَالْمَالِ إِذَا أَعْطَوُا الْجِزْيَةَ ، وَإِذَا أَبَوْا عَنْهَا انْتَقَضَتْ ذِمَّتُهُمْ وَحَلَّ دَمُهُمْ وَمَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ وَصَارُوا كَأَهْلِ الْحَرْبِ فِي قَوْلٍ صَحِيحٍ ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ أَشْعَثُ بْنُ شُعْبَةَ الْمِصِّيصِيُّ وَفِيهِ مَقَالٌ .