بَاب فِي الْعِيَادَةِ
بَابٌ : فِي الْعِيَادَةِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى ، نا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسحاق ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ عَرَفَ فِيهِ الْمَوْتَ . قَالَ : قَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ حُبِّ يَهُودَ قَالَ : فَقَدْ أَبْغَضَهُمْ أسَعْدُ بْنُ زُرَارَةَ فَمَهْ ؟ فَلَمَّا مَاتَ أَتَاهُ ابْنُهُ فَقَالَ : يَا نبي اللَّهِ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ قَدْ مَاتَ فَأَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ ، فَنَزَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَمِيصَهُ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ بَاب فِي الْعِيَادَةِ ( فَلَمَّا دَخَلَ ) : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( عَلَيْهِ ) : أَيْ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ الْمُنَافِقِ ( فِيهِ ) : أَيْ عَبْدِ اللَّهِ ( قَالَ ) : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( قَالَ ) : عَبْدُ اللَّهِ ( فَقَدْ أَبْغَضَهُمْ ) : أَيِ الْيَهُودَ ( فَمَهْ ) : أَيْ فَمَاذَا حَصَلَ لَهُ بِبُغْضِهِمْ ، فَالْهَاءُ مُنْقَلِبَةٌ عَنِ الْأَلِفِ وَأَصْلُهُ فَمَا ، أَوْ هُوَ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى اسْكُتْ ، وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ حبهُمْ وَلَا يَنْفَعُ بُغْضُهُمْ ، وَلَوْ نَفَعَ بُغْضُهُمْ لَمَا مَاتَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ ، وَهَذَا مِنْ قِلَّةِ فَهْمِهِ وَقُصُورِ نَظَرِهِ عَلَى أَنَّ الضَّرَرَ وَالنَّفْعَ هُوَ الْمَوْتُ أَوِ الْخَلَاصُ عَنْهُ . قَالَهُ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ ( فَلَمَّا مَاتَ ) : أَيْ عَبْدُ اللَّهِ ( أَتَاهُ ) : أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( ابْنُهُ ) : أَيِ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَكَانَ مُؤْمِنًا ( فَقَالَ ) : أَيِ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ ( أُكَفِّنُهُ ) : مِنْ بَابِ الإفعال أَيْ أُكَفِّنُ عَبْدَ اللَّهِ ( فِيهِ ) : أَيْ فِي قَمِيصِكَ ( فَأَعْطَاهُ ) : أَيْ فَأَعْطَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ ( إِيَّاهُ ) : أَيْ قَمِيصَهُ .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحهِمَا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ ابْنَهُ عَبْدُ اللَّهِ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ أَنْ يُكَفِّنَ فِيهِ أَبَاهُ فَأَعْطَاهُ . وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِمَا مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : أَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْرَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فَأَخْرَجَهُ مِنْ قَبْرِهِ فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتِهِ وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ وَأَلْبَسهُ قَمِيصَهُ ، قِيلَ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَابِرٌ شَاهَدَ مِنْ ذَلِكَ مَا لَمْ يُشَاهِدِ ابْنُ عُمَرَ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَعْطَاهُ قَمِيصَ الْكَفَنِ ثُمَّ أَخْرَجَهُ فَأَلْبَسهُ آخَرَ وَاخْتَلَفُوا : لِمَ أَعْطَاهُ ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِذَلِكَ إِكْرَامَ وَلَدِهِ فَقَدْ كَانَ مُسْلِمًا بَرِيئًا مِنَ النِّفَاقِ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا سُئِلَ شَيْئًا قَطُّ فَقَالَ : لَا .
وَالثَّالِثُ : أَنَّهُ كَانَ قَدْ أَعْطَى الْعَبَّاسَ عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَمِيصًا لَمَّا أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الْعَبَّاسِ ثِيَابٌ يَوْمئِذٍ ، فَأَرَادَ أَنْ يُكَافِئَهُ عَلَى ذَلِكَ لِئَلَّا يَكُونَ لِمُنَافِقٍ عِنْدَهُ يَدٌ لَمْ يُجَازِهِ عَلَيْهَا . وَالرَّابِعُ : أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ أن نزلِ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ .