بَابُ الصَّبْرِ عِنْدَ المصيبة حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، نا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ، نا شُعْبَةُ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : أَتَى نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى امْرَأَةٍ تَبْكِي عَلَى صَبِيٍّ لَهَا فَقَالَ لَهَا : اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي ، فَقَالَتْ : وَمَا تُبَالِي أَنْتَ بِمُصِيبَتِي فَقِيلَ لَهَا : هَذَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَتَتْهُ فَلَمْ تَجِدْ عَلَى بَابِهِ بَوَّابِينَ ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَعْرِفْكَ فَقَالَ : إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى أَوْ عِنْدَ أَوَّلِ صَدْمَةٍ بَاب الصَّبْرِ عِنْدَ المصيبة ( فَقَالَ ) : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَهَا ) : أَيْ لِلْمَرْأَةِ الْبَاكِيَةِ ( وَاصْبِرِي ) : حَتَّى تُؤْجَرِي ( فَقَالَتِ ) : امَرْأَةُ بَاكِيَةُ جَاهِلَةً بِمَنْ يُخَاطِبُهَا ، وَظَانَّةً أَنَّهُ مِنْ آحَادِ النَّاسِ ( وَمَا تُبَالِي ) : بِصِيغَةِ الْمُخَاطَبِ الْمَعْرُوفِ مِنْ بَابِ الْمُفَاعَلَةِ ، يُقَالُ : بَالَاهُ وَبَالَى بِهِ مُبَالَاةً أَيِ اهْتَمَّ بِهِ وَاكْتَرَثَ لَهُ . قَالَ فِي النِّهَايَةِ : يُقَالُ : مَا بَالَيْتُهُ وَمَا بَالَيْتُ بِهِ أَيْ لَمْ أَكْتَرِثْ بِهِ . انْتَهَى . وَالْمَعْنَى أَنْتَ لَا تُبَالِي بِمُصِيبَتِي وَلَا تَعْبَأُ بِهَا وَلَا تَعْتَنِي وَلَا تَهْتَمُّ بِشَأْنِهَا . قَالَ أَصْحَابُ اللُّغَةِ : اكْتَرَثَ لَهُ بَالَى بِهِ ، يُقَالُ : هُوَ لَا يَكْتَرِثُ لِهَذَا الْأَمْرِ أَيْ لَا يَعْبَأُ بِهِ وَلَا يُبَالِيهِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : الِاكْتِرَاثُ الِاعْتِنَاءُ وَلَفْظُ الْمَصَابِيحِ مِنْ رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ : فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ ، أَيْ لَمْ تُبْتَلَ ( بِمُصِيبَتِي ) : أَيْ بِعَيْنِهَا أَوْ بِمِثْلِهَا عَلَى زَعْمِهَا ( فَقِيلَ لَهَا ) : أَيْ بَعْدَ مَا ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( هَذَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : فَنَدِمَتْ ( فَأَتَتْهُ ) : أَيِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( بَوَّابِينَ ) : كَمَا هُوَ عَادَةُ الْمُلُوكِ الْجَبَابِرَةِ ( لَمْ أَعْرِفْكَ ) : أَيْ فَلَا تَأْخُذْ عَلَيَّ . قَالَ الطِّيبِيُّ : كَأَنَّهَا لَمَّا سَمِعَتْ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَهَّمَتْ أَنَّهُ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُلُوكِ ، فَقَالَتِ اعْتِذَارًا لَمْ أَعْرِفْكَ ، قَالَهُ الْقَارِيُّ ( فَقَالَ ) : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصدمة الْأُولَى ) : مَعْنَاهُ الصَّبْرُ الْكَامِلُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْأَجْرُ الْجَزِيلُ لِكَثْرَةِ الْمَشَقَّةِ فِيهِ . وَأَصْلُ الصَّدْمِ الضَّرْبُ فِي شَيْءٍ صُلْبٍ ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ مَجَازًا فِي كُلِّ مَكْرُوهٍ حَصَلَ بَغْتَةً . قَالَهُ النَّوَوِيُّ . وَقَالَ الْقَارِيُّ : مَعْنَاهُ عِنْدَ الْحَمْلَةِ الْأُولَى وَابْتِدَاءِ الْمُصِيبَةِ وَأَوَّلِ لُحُوقِ الْمَشَقَّةِ ، وَإِلَّا فَكُلُّ أَحَدٍ يَصْبِرُ بَعْدَهَا ، انْتَهَى . قَالَ الْحَافِظُ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ ، مِنْهَا مَا كَانَ فِيهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ التَّوَاضُعِ وَالرِّفْقِ بِالْجَاهِلِ ، وَمُسَامَحَةِ الْمُصَابِ ، وَقَبُولِ اعْتِذَارِهِ ، وَمُلَازَمَةِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَمِنْهَا أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَّخِذَ مَنْ يَحْجُبُهُ عَنْ حَوَائِجِ النَّاسِ ، وَمِنْهَا أَنَّ الْجَزَعَ مِنَ الْمَنْهِيَّاتِ لِأَمْرِهِ لَهَا بِالتَّقْوَى مَقْرُونًا بِالصَّبْرِ ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ .
المصدر: عون المعبود شرح سنن أبي داود
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-36/h/364493
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة