بَاب الْحَنْثِ إذا كَانَ خَيْرًا
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ ، نا عَبْدُ الْأَعْلَى ، قال : نا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ نَحْوَهُ قَالَ : فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ ، ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : أَحَادِيثُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، رُوِيَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي بَعْضِ الرِّوَايَةِ الْحِنْثُ قَبْلَ الْكَفَّارَةِ ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَةِ الْكَفَّارَةُ قَبْلَ الْحِنْثِ ( ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحِنْثِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ ، إِلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ : فَإِنْ كَفَّرَ بِالصَّوْمِ قَبْلَ الْحِنْثِ لَمْ يُجْزِهِ ، وَإِنْ كَفَّرَ بِالْإِطْعَامِ أَجْزَأَهُ ، وَاحْتَجَّ أَصْحَابُهُ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ الصِّيَامَ مُرَتَّبٌ عَلَى الْإِطْعَامِ ، فَلَا يَجُوزُ إِلَّا مَعَ عَدَمِ الْأَصْلِ ، كَالتَّيَمُّمِ لَمَّا كَانَ مُرَتَّبًا عَلَى الْمَاءِ لَمْ يُجْزِهِ إِلَّا مَعَ عَدَمِ الْمَاءِ . وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا تُجْزِهِ الْكَفَّارَةُ قَبْلَ الْحِنْثِ عَلَى وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ بِنَفْسِ الْيَمِينِ وَإِنَّمَا يَكُونُ وُجُوبُهَا بِالْحِنْثِ ، وَأَجَازُوا تَقْدِيمَ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَوْلِ ، وَلَمْ يُجِزْ مَالِكٌ تَقْدِيمَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ كَمَا جَوَّزَ تَقْدِيمَ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ ، وَاخْتَارَهُمَا الشَّافِعِيُّ مَعًا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَكَ .
انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ : قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَيْ رَبِيعَةُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ وَسَائِرُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ غَيْرَ أَهْلِ الرَّأْيِ : أنَّ الْكَفَّارَةَ تُجْزِئُ قَبْلَ الْحِنْثِ ، إِلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ اسْتَثْنَى الصِّيَامَ فَقَالَ : لَا يُجْزِئُ إِلَّا بَعْدَ الْحِنْثِ . وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا تُجْزِئُ الْكَفَّارَةَ قَبْلَ الْحِنْثِ .
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ : لِلْكَفَّارَةِ ثَلَاثُ حَالَاتٍ ، أَحَدُهَا قَبْلَ الْحَلِفِ فَلَا تُجْزِئُ اتِّفَاقًا ، ثَانِيهَا بَعْدَ الْحَلِفِ وَالْحِنْثِ فَتُجْزِئُ اتِّفَاقًا ، ثَالِثُهَا بَعْدَ الْحَلِفِ وَقَبْلَ الْحِنْثِ فَفِيهَا الْخِلَافُ . وَقَدِ اخْتَلَفَ لَفْظُ الْحَدِيثِ فَقَدَّمَ الْكَفَّارَةَ مَرَّةً وَأَخَّرَهَا أُخْرَى ، لَكِنْ بِحَرْفِ الْوَاوِ الَّذِي لَا يُوجِبُ رُتْبَةً . قَالَ الْحَافِظُ : قَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ بِلَفْظِ ثُمَّ الَّتِي تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ عِنْدَ أَبي دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيِّ فِي حَدِيثِ الْبَابِ .
وَلَفْظُ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ بِهِ : كَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، لَكِنْ أَحَالَ بِلَفْظِ الْمَتْنِ عَلَى مَا قَبْلَهُ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ ، كَأَبِي دَاوُدَ ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ ، عَنِ الْحَسَنِ مِثْلَهُ ، لَكِنْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ جَرِيرِ بِالْوَاوِ ، وَهُوَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَيْضًا بِلَفْظِ ثُمَّ ، وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ نَحْوُهُ وَلَفْظُهُ : فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ ثُمَّ لِيَفْعَلِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ . انْتَهَى . وَهَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُنْذِرِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ ، وَسَلَفَ تَحْقِيقُهُ مِنْ كَلَامِ الْحَافِظِ الْمِزِّيِّ وَغَيْرِهِ ( قَالَ أَبُو دَاوُدَ : أَحَادِيثُ أَبِي مُوسَى.. .
إِلَخْ ) قُلْتُ : حَدِيثُ أَبِي مُوسَى أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ وَالْمُؤَلِّفُ ، وَحَدِيثُ عَدِيٍّ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .