بَاب مَنْ اشْتَرَى مُصَرَّاةً فَكَرِهَهَا
بَابُ مَنْ اشْتَرَى مُصَرَّاةً فَكَرِهَهَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تَلَقَّوْا الرُّكْبَانَ لِلْبَيْعِ ، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ ، وَلَا تُصَرُّوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ ، فَمَنْ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا ، فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا ، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ باب من اشترى مصراة فكرهها ( لَا تَلَقَّوُا ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَاللَّامِ وَالْقَافِ الْمُشَدَّدَةِ وَأَصْلُهُ لَا تَتَلَقَّوُا ( الرُّكْبَانَ ) بِضَمِّ الرَّاءِ جَمْعُ رَاكِبٍ ( لِلْبَيْعِ ) أَيْ لِأَجْلِ الْبَيْعِ ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى التَّلَقِّي فِي بَابِ التَّلَقِّي ( وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ ( وَلَا تُصَرُّوا ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ مِنْ صَرَيْتُ اللَّبَنَ فِي الضَّرْعِ إِذَا جَمَعْتُهُ ، وَظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مِنْ صَرَرْتُ فَقَيَّدَهُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ ثَانِيهِ . قَالَ فِي الْفَتْحِ : وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ انْتَهَى . قَالَ الشَّافِعِيُّ : التَّصْرِيَةُ هِيَ رَبْطُ أَخْلَافِ الشَّاةِ أَوِ النَّاقَةِ وَتَرْكُ حَلْبِهَا حَتَّى يَجْتَمِعَ لَبَنُهَا فَيَكْثُرُ فَيَظُنُّ الْمُشْتَرِي أَنَّ ذَلِكَ عَادَتَهَا فَيَزِيدَ فِي ثَمَنِهَا لِمَا يَرَى مِنْ كَثْرَةِ لَبَنِهَا .
وَأَصْلُ التَّصْرِيَةِ حَبْسُ الْمَاءِ ، يُقَالُ مِنْهُ صَرَيْتُ الْمَاءَ إِذَا حَبَسْتُهُ . قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَأَكْثَرُ أَهْلِ اللُّغَةِ : التَّصْرِيَةُ حَبْسُ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ حَتَّى يَجْتَمِعَ ( فَمَنِ ابْتَاعَهَا ) أَيِ اشْتَرَى الْإِبِلَ أَوِ الْغَنَمَ الْمُصَرَّاةَ ( بَعْدَ ذَلِكَ ) أَيْ بَعْدَمَا ذَكَرَ مِنَ التَّصْرِيَةِ ( فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ ) أَيِ الرَّأْيَيْنِ مِنَ الْإِمْسَاكِ وَالرَّدِّ ( بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا ) بِضَمِّ اللَّامِ ( أَمْسَكَهَا ) أَيْ عَلَى مِلْكِهِ ( وَإِنْ سَخِطَهَا ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ كَرِهَهَا ( وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ ) أَيْ مَعَ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ . وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ الْجُمْهُورُ .
قَالَ فِي الْفَتْحِ : وَأَفْتَى بِهِ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ ، وَقَالَ بِهِ مِنَ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مَنْ لَا يُحْصَى عَدَدُهُ ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ اللَّبَنُ الَّذِي احْتُلِبَ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا وَلَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ التَّمْرُ قُوتَ تِلْكَ الْبَلَدِ أَمْ لَا ، وَخَالَفَ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ وَفِي فُرُوعِهَا آخَرُونَ انْتَهَى . وَقَدِ اعْتَذَرَ الْحَنَفِيَّةُ عَنْ حَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ بِأَعْذَارٍ بَسَطَهَا الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَأَجَابَ عَنْ كُلٍّ مِنْهَا . قُلْتُ : أَخَذَ الْحَنَفِيَّةُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِالْقِيَاسِ ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الْقِيَاسَ فِي مُقَابِلَةِ النَّصِّ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ فَلَا يُعْتَبَرُ بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ .