بَاب فِي خِيَارِ الْمُتَبَايِعَيْنِ
بَابٌ فِي خِيَارِ الْمُتَبَايِعَيْنِ أَيِ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي . قَالَ فِي النِّهَايَةِ : الْخِيَارُ هُوَ الِاسْمُ مِنَ الِاخْتِيَارِ وَهُوَ طَلَبُ خَيْرِ الْأَمْرَيْنِ إِمَّا إِمْضَاءِ الْبَيْعِ أَوْ فَسْخِهِ . ( كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ ) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرٌ لِقَوْلِهِ الْمُتَبَايِعَانِ ( عَلَى صَاحِبِهِ ) أَيْ عَلَى الْآخَرِ مِنْهُمَا وَالْجَارُ مُتَعَلِّقٌ بِالْخِيَارِ ، وَالْمُرَادُ بِالْخِيَارِ : خِيَارُ الْمَجْلِسِ ( مَا لَمْ يَفْتَرِقَا ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يَتَفَرَّقَا أَيْ بِبَدَنِهِمَا فَيَثْبُتُ لَهُمَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ ، وَالْمَعْنَى : أَنَّ الْخِيَارَ مُمْتَدٌّ زَمَنَ عَدَمِ تَفَرُّقِهِمَا ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَا مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ .
وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ وَالدَّارَقُطْنِيِّ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا عَنْ مَكَانِهِمَا وَذَلِكَ صَرِيحٌ فِي الْمَقْصُودِ . قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي التَّفَرُّقِ الَّذِي يَصِحُّ بِوُجُودِهِ الْبَيْعُ ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : هُوَ التَّفَرُّقُ بِالْأَبْدَانِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَأَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ ، وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَالزُّهْرِيُّ ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي ثَوْرٍ .
وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : الِافْتِرَاقُ بِالْكَلَامِ ، وَإِذَا تَعَاقَدَا صَحَّ الْبَيْعُ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ . وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَشْهَدُ لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ التَّفَرُّقَ هُوَ تَفَرُّقُ الْأَبَدَانِ ، وَعَلَى هَذَا فَسَّرَهُ ابْنُ عُمَرَ وَهُوَ رَاوِي الْخَبَرَ ، وَكَانَ إِذَا بَايَعَ رَجُلًا فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَحِقَّ الصَّفْقَةَ مَشَى خُطُوَاتٍ حَتَّى يُفَارِقَهُ ، وَكَذَلِكَ تَأَوَّلَهُ أَبُو بَرْزَةَ فِي شَأْنِ الْفَرَسِ الَّذِي بَاعَهُ الرَّجُلُ مِنْ صَاحِبِهِ وَهُمَا فِي الْمَنْزِلِ ، وَعَلَى هَذَا وَجَدْنَا أَمْرَ النَّاسِ وَعُرْفَ اللُّغَةِ . وَظَاهِرُ الْكَلَامِ إِذَا قِيلَ تَفَرَّقَ النَّاسُ كَانَ الْمَفْهُومُ مِنْهُ التَّمَيُّزُ بِالْأَبْدَانِ وَإِنَّمَا يُعْقَلُ مَا عَدَاهُ مِنَ التَّفَرُّقِ فِي الرَّأْيِ وَالْكَلَامِ بِقَيْدٍ وَصِلَةٍ ، قَالَ : وَلَوْ كَانَ تَأْوِيلُ الْحَدِيثِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي صَارَ إِلَيْهِ النَّخَعِيُّ لَخَلَا الْحَدِيثُ عَنِ الْفَائِدَةِ وَسَقَطَ مَعْنَاهُ وَذَلِكَ أَنَّ الْعِلْمَ مُحِيطٌ بِأَنَّ الْمُشْتَرِي مَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ قَبُولُ الْبَيْعِ فَهُوَ بِالْخِيَارِ ، وَكَذَلِكَ الْبَائِعُ خِيَارُهُ ثَابِتٌ فِي مِلْكِهِ قَبْلَ أَنْ يَعْقِدَ الْبَيْعَ ، وَهَذَا من الْعِلْمِ الْعَامِّ الَّذِي قَدِ اسْتَقَرَّ بَيَانُهُ انْتَهَى مُخْتَصَرًا ( إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ ) .
قَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ ذَكَرَهَا أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، أَصَحُّهَا أَنَّ الْمُرَادَ التَّخْيِيرُ بَعْدَ تَمَامِ الْعَقْدِ قَبْلَ مُفَارَقَةِ الْمَجْلِسِ ، وَتَقْدِيرُهُ : يَثْبُتُ لَهُمَا الْخِيَارُ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلَّا أَنْ يَتَخَايَرَا فِي الْمَجْلِسِ ، وَيَخْتَارَا إِمْضَاءَ الْبَيْعِ فَيَلْزَمُ الْبَيْعُ بِنَفْسِ التَّخَايُرِ وَلَا يَدُومُ إِلَى الْمُفَارَقَةِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّ مَعْنَاهُ إِلَّا بَيْعًا شُرِطَ فِيهِ خِيَارُ الشَّرْطِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ دُونَهَا فَلَا يَنْقَضِي الْخِيَارُ فِيهِ بِالْمُفَارَقَةِ بَلْ يَبْقَى حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُدَّةُ الْمَشْرُوطَةُ . وَالثَّالِثُ : مَعْنَاهُ إِلَّا بَيْعًا شُرِطَ فِيهِ أَنْ لَا خِيَارَ لَهُمَا فِي الْمَجْلِسِ فَيَلْزَمُ الْبَيْعُ بِنَفْسِ الْبَيْعِ وَلَا يَكُونُ فِيهِ خِيَارٌ ، وَهَذَا تَأْوِيلُ مَنْ يُصَحِّحِ الْبَيْعَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا بُطْلَانُهُ بِهَذَا الشَّرْطِ انْتَهَى .
وَكَذَا صَحَّحَ الْخَطَّابِيُّ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .