بَاب فِيمَنْ أَحْيَا حَسِيرًا
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسماعيل ، نا حَمَّادٌ . ( ح ) وَحَدَّثَنَا مُوسَى ، نا أَبَانُ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيِّ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، وَقَالَ : عَنْ أَبَانَ أَنَّ عَامِرًا الشَّعْبِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ وَجَدَ دَابَّةً قَدْ عَجَزَ عَنْهَا أَهْلُهَا أَنْ يَعْلِفُوهَا فَسَيَّبُوهَا ، فَأَخَذَهَا فَأَحْيَاهَا ، فَهِيَ لَهُ قَالَ : فِي حَدِيثِ أَبَانَ قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ : فَقُلْتُ : عَمَّنْ ؟ قَالَ : عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : هَذَا حَدِيثُ حَمَّادٍ ، وَهُوَ أَبْيَنُ وَأَتَمُّ .
( فَسَيَّبُوهَا ) : أَيْ تَرَكُوهَا تَذْهَبُ حَيْثُ شَاءَتْ ( فَأَخَذَهَا ) : الضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ لِمَنْ وَجَدَ ( فَأَحْيَاهَا ) : أَيْ بِالْعَلَفِ وَالسَّقْيِ وَالْقِيَامِ بِهَا ( فَهِيَ لَهُ ) : أَيْ لِمَنْ وَجَدَ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذَا الْحَدِيثُ مُرْسَلٌ ، وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ مِلْكَهَا لَمْ يُزَلْ عَنْ صَاحِبِهَا بِالْعَجْزِ عَنْهَا ، وَسَبِيلُهَا سَبِيلُ اللُّقَطَةِ ، فَإِذَا جَاءَ رَبُّهَا وَجَبَ عَلَى آخِذِهَا رَدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ . وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ : هِيَ لِمَنْ أَحْيَاهَا إِذَا كَانَ صَاحِبُهَا تَرَكَهَا بِمَهْلَكَةٍ ، وَاحْتَجَّ إِسْحَاقُ بِحَدِيثِ الشَّعْبِيِّ هَذَا .
وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ قَاضِي الْبَصْرَةَ فِيهَا ، وَفِي النَّوَاةِ الَّتِي يُلْقِيهَا مَنْ يَأْكُلُ التَّمَرَاتِ قَالَ صَاحِبُهَا : لَمْ أُبِحْهَا لِلنَّاسِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَيُسْتَحْلَفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَبَاحَهُ لِلنَّاسِ . انْتَهَى . قُلْتُ : فِي قَوْلِ الْخَطَّابِيِّ : إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُرْسَلٌ نَظَرٌ ، لِأَنَّ الشَّعْبِيَّ قَدْ رَوَاهُ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ ، وَأَمَّا جَهَالَةُ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ أَبْهَمَهُمِ الشَّعْبِيُّ فَغَيْرُ قَادِحَةٍ فِي الْحَدِيثِ ، لِأَنَّ مَجْهُولَهُمْ مَقْبُولٌ عَلَى مَا هُوَ الْحَقُّ كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَقَرِّهِ ، وَالشَّعْبِيُّ قَدْ لَقِيَ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ .
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِمَالِكِ الدَّابَّةِ التَّسْيِيبُ فِي الصَّحْرَاءِ إِذَا عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ بِهَا ، وَقَدْ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَالِكِ الدَّابَّةِ أَنْ يَعْلِفَهَا أَوْ يَبِيعَهَا أَوْ يُسَيِّبَهَا فِي مَرْتَعٍ ، فَإِنْ تَمَرَّدَ أُجْبِرَ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : بَلْ يُؤْمَرُ اسْتِصْلَاحًا لَا حَتْمًا كَالشَّجَرِ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَاتَ الرُّوحِ تُفَارِقُ الشَّجَرَ ، وَالْأَوْلَى إِذَا كَانَتِ الدَّابَّةُ مِمَّا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ أَنْ يَذْبَحَهَا مَالِكُهَا وَيُطْعِمَهَا الْمُحْتَاجِينَ . قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ : وَأَمَّا الدَّابَّةُ الَّتِي عَجَزَتْ عَنِ الِاسْتِعْمَالِ لِزَمَنٍ وَنَحْوِهِ فَلَا يَجُوزُ لِصَاحِبِهَا تَسْيِيبُهَا بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهَا ( فَقُلْتُ عَمَّنْ ) : أَيْ عَمَّنْ تَرْوِي الْحَدِيثَ .