باب في الْقَضَاءِ
حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عُثْمَانَ حَدَّثَهُمْ : قال : نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي طُوَالَةَ وَعَمْرُو بْنُ يَحْيَى ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : اخْتَصَمَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَانِ فِي حَرِيمِ نَخْلَةٍ فِي حَدِيثِ أَحَدِهِمَا ، فَأَمَرَ بِهَا فَذُرِعَتْ ، فَوُجِدَتْ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ ، وَفِي حَدِيثِ الْآخَرِ فَوُجِدَتْ خَمْسَةَ أَذْرُعٍ ، فَقَضَى بِذَلِكَ قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ : فَأَمَرَ بِجَرِيدَةٍ مِنْ جَرِيدِهَا فَذُرِعَتْ . آخر كتاب الأقضية ( حَدَّثَهُمْ ) أَيْ : مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ وَغَيْرُهُ ( أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ) الدَّرَاوَرْدِيُّ ( عَنْ أَبِي طُوَالَةَ ) بِضَمِّ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرٍ الْأَنْصَارِيُّ الْمَدَنِيُّ قَاضِي الْمَدِينَةِ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ( وَعَمْرِو بْنِ يَحْيَى ) بْنِ عُمَارَةَ الْمَازِنِيِّ الْمَدَنِيِّ ( عَنْ أَبِيهِ ) يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ الْمَازِنِيِّ ، فَأَبُو طُوَالَةَ وَعَمْرُو بْنُ يَحْيَى كِلَاهُمَا يَرْوِيَانِ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ ( فِي حَرِيمِ نَخْلَةٍ ) أَيْ : فِي أَرْضٍ حَوْلَ النَّخْلَةِ قَرِيبًا مِنْهَا . قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ .
قَالَ أَصْحَابُ اللُّغَةِ : الْحَرِيمُ هُوَ كُلُّ مَوْضِعٍ تَلْزَمُ حِمَايَتُهُ ، وَحَرِيمُ الْبِئْرِ وَغَيْرِهَا مَا حَوْلَهَا مِنْ حُقُوقِهَا وَمَرَافِقِهَا ، وَحَرِيمُ الدَّارِ مَا أُضِيفَ إِلَيْهَا ، وَكَانَ مِنْ حُقُوقِهَا ( فِي حَدِيثِ أَحَدِهِمَا ) أَيْ : أَبِي طُوَالَةَ أَوْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى ( فَأَمَرَ ) النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( بِهَا ) أَيْ : بِالنَّخْلَةِ ، يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنْ يُذْرَعَ طُولُ النَّخْلَةِ وَقَامَتُهَا بِالذِّرَاعِ وَالسَّاعِدِ ، وَسَيَجِيءُ تَفْسِيرُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الرَّاوِي لِهَذَا اللَّفْظِ ( فَذُرِعَتْ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ : تِلْكَ النَّخْلَةُ يَعْنِي قَامَتُهَا ( فَوُجِدَتْ ) قَامَتُهَا ( سَبْعَةَ أَذْرُعٍ ) أَيْ : مِنْ ذِرَاعِ الْإِنْسَانِ ( فَقَضَى ) النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( بِذَلِكَ ) أَيْ : بِأَنْ يَكُونَ حَرِيمُ شَجَرِ النَّخْلَةِ عَلَى قَدْرِ قَامَتِهَا ، فَإِنْ كَانَتِ النَّخْلَةُ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ يَكُونُ حَرِيمُهَا أَيْ : مَا حَوَالَيْهَا سَبْعَةَ أَذْرُعٍ ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ يَكُونُ حَرِيمُهَا مِثْلَهَا ، وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ يَكُونُ حَرِيمُهَا مِثْلَهُ فِي الْقِلَّةِ ، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ حَرِيمِهَا وَإِنْ قَلَّ ، وَلَكِنْ لَهُ عِمَارَةٌ أَوْ غَيْرُهَا بَعْدَ حَرِيمِهَا ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ لِكُلِّ شَجَرٍ مِنَ الْأَشْجَارِ ، فَيَكُونُ حَرِيمُهُ بِقَدْرِ قَامَتِهِ . وَأَخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زَوَائِدِ الْمُسْنَدِ وَأَبُو عَوَانَةَ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ : قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الرَّحَبَةِ يَكُونُ مِنَ الطَّرِيقِ ثُمَّ يُرِيدُ أَهْلُهَا الْبُنْيَانَ فِيهَا فَقَضَى أَنْ يُتْرَكَ لِلطَّرِيقِ مِنْهَا سَبْعَةُ أَذْرُعٍ ، وَقَضَى فِي النَّخْلِ أَوِ النَّخْلَتَيْنِ أَوِ الثَّلَاثِ يَخْتَلِفُونَ فِي حُقُوقِ ذَلِكَ ، فَقَضَى أَنَّ لِكُلِّ نَخْلَةٍ مِنْ أُولَئِكَ مَبْلَغَ جَرِيدِهَا حَرِيمٌ لَهَا ، وَقَضَى فِي شُرْبِ النَّخْلِ مِنَ السَّيْلِ أَنَّ الْأَعْلَى يَشْرَبُ قَبْلَ الْأَسْفَلِ ، وَيُتْرَكُ الْمَاءُ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ، ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَاءُ إِلَى الْأَسْفَلِ الَّذِي يَلِيهِ ، فَكَذَلِكَ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْحَوَائِطُ أَوْ يَفْنَى الْمَاءُ الْحَدِيثُ بِطُولِهِ . وَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِهِ بِلَفْظِ : حَرِيمُ النَّخْلِ مَدُّ جَرِيدِهَا كَذَا فِي كَنْزِ الْعُمَّالِ .
قُلْتُ : وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِتَعَدُّدِ الْوَاقِعَةِ ، وَأَنَّ حَرِيمَ النَّخْلِ فِيهِ قَضِيَّتَانِ ، أَوْ حَدِيثُ عُبَادَةَ مُفَسِّرٌ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ( قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ ) رَاوِي الْحَدِيثِ مُفَسِّرًا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأُمِرَ بِهَا فَذُرِعَتْ ( فَأَمَرَ ) النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( بِجَرِيدَةٍ ) وَاحِدَةُ الْجَرِيدِ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ ، وَإِنَّمَا تُسَمَّى جَرِيدَةً إِذَا جُرِّدَ عَنْهَا خُوصُهَا ، أَيْ : وَرَقُ النَّخْلِ ( مِنْ جَرِيدِهَا ) أَيْ : مِنْ جَرِيدِ النَّخْلَةِ . وَالْجَرِيدُ أَغْصَانُ النَّخْلِ إِذَا زَالَ مِنْهَا الْخُوصُ أَيْ : وَرَقُهَا . وَالسَّعَفُ أَغْصَانُ النَّخْلِ مَا دَامَتْ بِالْخُوصِ .
وَالْغُصْنُ بِالضَّمِّ مَا تَشَعَّبَ عَنْ سَاقِ الشَّجَرِ دِقَاقِهَا وَغِلَاظِهَا وَجَمْعُهُ غُصُونٌ وَأَغْصَانٌ . وَالْمَعْنَى أي أَمْرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِ النَّخْلَةِ أَنْ يُجْعَلَ بِقَدْرِ الذِّرَاعِ وَيُذْرَعَ بِهِ النَّخْلَةُ ( فَذُرِعَتْ ) النَّخْلَةُ أَيْ : قَامَتُهَا بِهَذَا الْغُصْنِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .