باب في فضل العلم
حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ قال : سَمِعْتُ عَاصِمَ بْنَ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ يُحَدِّثُ عَنْ دَاوُدَ بْنِ جَمِيلٍ ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ إِنِّي جِئْتُكَ مِنْ مَدِينَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَدِيثٍ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مَا جِئْتُ لِحَاجَةٍ قَالَ : فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا ، سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَرَّثُوا الْعِلْمَ ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ . ( عَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ ) الشَّامِيِّ ضَعِيفٌ مِنَ الثَّالِثَةِ ، وَوَهِمَ ابْنُ قَانِعٍ فَأَوْرَدَهُ فِي الصَّحَابَةِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ( دِمَشْقَ ) بِكَسْرِ الدَّالِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَيُكْسَرُ أَيِ : الشَّامِ ( فَجَاءَهُ ) أَيْ : أَبَا الدَّرْدَاءِ ( رَجُلٌ ) أَيْ : مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ ( لِحَدِيثٍ ) أَيْ : لِأَجْلِ تَحْصِيلِ حَدِيثٍ ( مَا جِئْتُ ) إِلَى الشَّامِ ( لِحَاجَةٍ ) أُخْرَى غَيْرَ أَنْ أُسْمِعك الْحَدِيثَ ، ثُمَّ تَحْدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ بِمَا حَدَّثَهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَطْلُوبَ الرَّجُلِ بِعَيْنِهِ ، أَوْ يَكُونَ بَيَانًا أَنَّ سَعْيَهُ مَشْكُورٌ عِنْدَ اللَّهِ وَلَمْ يَذْكُرْ هُنَا مَا هُوَ مَطْلُوبُهُ ، وَالْأَوَّلُ أَغْرَبُ وَالثَّانِي أَقْرَبُ ( قَالَ ) أَبُو الدَّرْدَاءِ ( مَنْ سَلَكَ ) أَيْ : دَخَلَ أَوْ مَشَى ( يَطْلُبُ فِيهِ ) أَيْ : فِي ذَلِكَ الطَّرِيقِ ، أَوْ فِي ذَلِكَ الْمَسْلَكِ أَوْ فِي سُلُوكِهِ ( سَلَكَ اللَّهُ بِهِ ) الضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ عَائِدٌ إِلَى مَنْ وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ : جَعَلَهُ سَالِكًا وَوَفَّقَهُ أَنْ يَسْلُكَ طَرِيقَ الْجَنَّةِ ، وَقِيلَ : عَائِدٌ إِلَى الْعِلْمِ وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ ، وَسَلَكَ بِمَعْنَى سَهَّلَ ، وَالْعَائِدُ إِلَى مَنْ مَحْذُوفٌ ، وَالْمَعْنَى سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِسَبَبِ الْعِلْمِ ( طَرِيقًا ) فَعَلَى الْأَوَّلِ سَلَكَ مِنَ السُّلُوكِ ، وَعَلَى الثَّانِي مِنَ السَّلْكِ وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ ( رِضًى ) حَالٌ أَوْ مَفْعُولٌ لَهُ عَلَى مَعْنَى إِرَادَةِ رَضِيَ لِيَكُونَ فِعْلًا لِفَاعِلِ الْفِعْلِ الْمُعَلَّلِ ، قَالَهُ الْقَارِي . ( لِطَالِبِ الْعِلْمِ ) اللَّامُ مُتَعَلَّقٌ بِرِضًى ، وقيل : التَّقْدِيرُ لِأَجْلِ الرِّضَى الْوَاصِلِ مِنْهَا إِلَيْهِ أَوْ لِأَجْلِ إِرْضَائِهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ بِمَا يَصْنَعُ مِنْ حِيَازَةِ الْوِرَاثَةِ الْعُظْمَى وَسُلُوكِ السُّنَنِ الْأَسْنَى .
قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ وَغَيْرُهُ : قِيلَ مَعْنَاهُ إنَّهَا تَتَوَاضَعُ لِطَالِبِهِ تَوْقِيرًا لِعِلْمِهِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ أَيْ : تَوَاضَعْ لَهُمَا ، أَوِ الْمُرَادُ الْكَفُّ عَنِ الطَّيَرَانِ وَالنُّزُولُ لِلذِّكْرِ ، أَوْ مَعْنَاهُ الْمَعُونَةُ وَتَيْسِيرُ الْمُؤْنَةِ بِالسَّعْيِ فِي طَلَبِهِ ، أَوِ الْمُرَادُ تَلْيِينُ الْجَانِبِ وَالِانْقِيَادُ وَالْفَيْءُ عَلَيْهِ بِالرَّحْمَةِ وَالِانْعِطَافُ ، أَوِ الْمُرَادُ حَقِيقَتُهُ ، وَإِنْ لَمْ تُشَاهَدْ وَهِيَ فَرْشُ الْجَنَاحِ وَبَسْطُهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ ؛ لِتَحْمِلَهُ عَلَيْهَا وَتُبَلِّغَهُ مَقْعَدَهُ مِنَ الْبِلَادِ ، قَالَهُ الْقَارِي . ( وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : إِنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ - قَدْ قَيَّضَ لِلْحِيتَانِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْحَيَوَانِ الْعِلْمَ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعُلَمَاءِ أَنْوَاعًا مِنَ الْمَنَافِعِ وَالْمَصَالِحِ وَالْأَرْزَاقِ ، فَهُمُ الَّذِينَ بَيَّنُوا الْحُكْمَ فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ مِنْهَا وَأَرْشَدُوا إِلَى الْمَصْلَحَةِ فِي بَابِهَا وَأَوْصَوْا بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهَا وَنَفْيِ الضَّرَرِ عَنْهَا فَأَلْهَمَهَا اللَّهُ الِاسْتِغْفَارَ لِلْعُلَمَاءِ مُجَازَاةً عَلَى حُسْنِ صَنِيعِهِمْ بِهَا وَشَفَقَتِهِمْ عَلَيْهَا ( وَالْحِيتَانُ ) جَمْعُ الْحُوتِ . ( لَيْلَةَ الْبَدْرِ ) أَيْ : لَيْلَةَ الرَّابِعَ عَشَرَ ( لَمْ يُوَرِّثُوا ) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ مِنَ التَّوْرِيثِ ( وَرَّثُوا الْعِلْمَ ) لِإِظْهَارِ الْإِسْلَامِ وَنَشْرِ الْأَحْكَامِ ( فَمَنْ أَخَذَهُ ) أَيْ : أَخَذَ الْعِلْمَ مِنْ مِيرَاثِ النُّبُوَّةِ ( أَخَذَ بِحَظٍّ ) أَيْ : بِنَصِيبٍ ( وَافِرٍ ) كَثِيرٍ كَامِلٍ .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ فِيهِ : عَنْ قَيْسِ بْنِ كَثِيرٍ قَالَ : قَدِمَ رَجُلٌ مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ فَذَكَرَهُ ، وَقَالَ : وَلَا نَعْرِفُ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَاصِمِ بْنِ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ ، وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ عِنْدِي بِمُتَّصِلٍ ، وَذَكَرَ أَنَّ الْأَوَّلَ أَصَحُّ . هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ، فَقِيلَ فِيهِ : كَثِيرُ بْنُ قَيْسٍ ، وَقِيلَ : قَيْسُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ ، ذَكَرَ أَنَّهُ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَفِي بَعْضِهَا : عَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ : أَتَيْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ ، وَهُوَ جَالِسٌ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ ، فَقُلْتُ : يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ ، إِنِّي جِئْتُكَ مِنْ مَدِينَةِ الرَّسُولِ فِي حَدِيثٍ بَلَغَنِي عَنْكَ .
وَفِي بَعْضِهَا : جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ بِمِصْرَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَ فِي إِسْنَادِهِ دَاوُدَ بْنَ جَمِيلٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَسْقَطَهُ ، وَرُوِيَ عَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ سَمُرَةَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَرَوَى يَزِيدُ بْنُ سَمُرَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ : أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَذَكَرَ ابْنُ سُمَيْعٍ فِي الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ تَابِعِي أَهْلِ الشَّامِ ، قَالَ : وكَثِيرُ بْنُ قَيْسٍ أَمْرُهُ ضَعِيفٌ ، أَثْبَتَهُ أَبُو سَعِيدٍ يَعْنِي دُحَيْمًا ، انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ .