بَاب التَّشْدِيدِ فِي الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
بَابٌ : التَّشْدِيدِ فِي الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ ، قال : أنا خَالِدٌ . ( ح ) وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نا خَالِدٌ الْمَعْنَى عَنْ بَيَانِ بْنِ بِشْرٍ قَالَ مُسَدَّدٌ أَبُو بِشْرٍ : عَنْ وَبَرَةُ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ : مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تُحَدِّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا يُحَدِّثُ عَنْهُ أَصْحَابُك ؟ قَالَ : أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ لِي مِنْهُ وَجْهٌ وَمَنْزِلَةٌ ، وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ : مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ بَاب التَّشْدِيدِ فِي الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( عَنْ بَيَانِ بْنِ بِشْرٍ ) الْأَحْمَسِيِّ هُوَ أَبُو بِشْرٍ الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ ثَبْتٌ ( قَالَ : قُلْتُ ) قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ( قَالَ ) الزُّبَيْرُ ( أَمَا ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ مِنْ حُرُوفِ التَّنْبِيهِ ( مِنْهُ ) أَيْ : مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( وَجْهٌ وَمَنْزِلَةٌ ) أَيْ : قُرْبٌ وَقَرَابَةٌ فَكَثُرَ بِذَلِكَ مُجَالَسَتِي مَعَهُ وَسَمَاعِي مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَيْسَ سَبَبُ ذَلِكَ قِلَّةَ السَّمَاعِ ، بل سَبَبُهُ خَوْفُ الْوُقُوعِ فِي الْكَذِبِ عَلَيْهِ ، قَالَهُ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ . ( مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا ) وَفِي تَمَسُّكِ الزُّبَيْرِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنِ اخْتِيَارِ قِلَّةِ التَّحْدِيثِ دَلِيلٌ لِلْأَصَحِّ فِي أَنَّ الْكَذِبَ هُوَ الْإِخْبَارُ بِالشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ ، سَوَاءٌ كَانَ عَمْدًا أَمْ خَطَأً ، وَالْمُخْطِئُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْثُومٍ بِالْإِجْمَاعِ لَكِنَّ الزُّبَيْرَ خَشِيَ مِنَ الْإِكْثَارِ أَنْ يَقَعَ فِي الْخَطَأِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَأْثَمْ بِالْخَطَأِ لَكِنْ قَدْ يَأْثَمُ بِالْإِكْثَارِ إِذِ الْإِكْثَارُ مَظِنَّةُ الْخَطَأِ ، وَالثِّقَةُ إِذَا حَدَّثَ بِالْخَطَأِ فَحُمِلَ عَنْهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ أَنَّهُ خَطَأٌ يُعْمَلُ بِهِ عَلَى الدَّوَامِ لِلْوْثُوقِ بِنَقْلِهِ ، فَيَكُونُ سَبَبًا لِلْعَمَلِ بِمَا لَمْ يَقُلْهُ الشَّارِعُ ، فَمَنْ خَشِيَ مِنَ الْإِكْثَارِ الْوُقُوعَ فِي الْخَطَأِ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْإِثْمُ إِذا تَعَتمدَ الْإِكْثَارَ ، فَمِنْ ثَمَّ تَوَقَّفَ الزُّبَيْرُ وَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ عَنِ الْإِكْثَارِ مِنَ التَّحْدِيثِ .
وَأَمَّا مَنْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا وَاثِقِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ بِالتَّثْبتِ أَوْ طَالَتْ أَعْمَارُهُمْ فَاحْتِيجَ إِلَى مَا عِنْدَهُمْ ، فَسُئِلُوا فَلَمْ يُمْكِنْهُمُ الْكِتْمَانُ ، قَالَهُ فِي الْفَتْحِ . وَقَالَ الْعَيْنِيُّ : مَنْ مَوْصُولَةٌ تَتَضَمَّنُ مَعْنَى الشَّرْطِ وَكَذَبَ عَلَيَّ صِلَتُهَا ، وَقَوْلُهُ : فَلْيَتَبَوَّأْ جَوَابُ الشَّرْطِ فَلِذَلِكَ دَخَلَتْهُ الْفَاءُ ( فَلْيَتَبَوَّأْ ) بِكَسْرِ اللَّامِ هُوَ الْأَصْلُ ، وَبِالسُّكُونِ هُوَ الْمَشْهُورُ ، وَهُوَ أَمْرٌ مِنَ التَّبَوُّءِ ، وَهُوَ اتِّخَاذُ الْمَبَاءَةِ ، أَيِ : الْمَنْزِلُ ، يُقَالُ : تَبَوَّأَ الرَّجُلُ الْمَكَانَ إِذَا اتَّخَذَهُ مَوْضِعًا لِمَقَامِهِ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : تَبَوَّأَ بِالْمَكَانِ ، أَصْلُهُ مِنْ مَبَاءَةِ الْإِبِلِ ، وَهِيَ أَعْطَانُهَا ، وَظَاهِرُهُ أَمْرٌ وَمَعْنَاهُ خَبَرٌ ، يُرِيدُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُبَوِّء مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ، قَالَهُ الْعَيْنِيُّ ( مَقْعَدَهُ ) هُوَ مَفْعُولٌ لِيَتَبَوَّأْ ، وَكَلِمَةُ مِنْ في النَّارِ بَيَانِيَّةٌ أَوِ ابْتِدَائِيَّةٌ .
قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ : إِنَّ حَدِيثَ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ ، فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ وَنِهَايَةِ الْقُوَّةِ حَتَّى أُطْلِقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُتَوَاتِرٌ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ وَالنَّسَائِيِّ : مُتَعَمِّدًا ، وَالْمَحْفُوظُ مِنْ حَدِيثِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مُتَعَمِّدًا . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ قَالَ : وَاللَّهِ مَا قَالَ : مُتَعَمِّدًا ، وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ : مُتَعَمِّدًا .