بَاب فَضْلِ نَشْرِ الْعِلْمِ
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نا يَحْيَى ، عَنْ شُعْبَةَ ، حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ مِنْ وَلَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبَانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ ( نَضَّرَ اللَّهُ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ الدُّعَاءُ لَهُ بِالنَّضَارَةِ وَهِيَ النِّعْمَةُ وَالْبَهْجَةُ ، يُقَالُ : نَضَرَهُ اللَّهُ وَنَضَّرَهُ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّثْقِيلِ ، وَأَجْوَدُهُمَا التَّخْفِيفُ ، انْتَهَى . وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ : نَضَّرَهُ وَنَضَرَهُ وَأَنْضَرَهُ أَيْ : نَعَّمَهُ ، وَيُرْوَى بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ مِنَ النَّضَارَةِ ، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ حُسْنُ الْوَجْهِ وَالْبَرِيقُ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ حُسْنَ خُلُقِهِ وَقَدْرَهُ ، انْتَهَى . قَالَ السُّيُوطِيُّ : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَابِرٍ : أَيْ : أَلْبَسَهُ الله نَضْرَةً وَحُسْنًا وَخُلُوصَ لَوْنٍ وَزِينَةً وَجَمَالًا ، أَوْ أَوْصَلَهُ اللَّهُ لِنَضْرَةِ الْجَنَّةِ نَعِيمًا وَنَضَارَةً .
قَالَ تَعَالَى : وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ﴾قَالَ سُفْيَانُ ابْنُ عُيَيْنَةَ : مَا مِنْ أَحَدٍ يَطْلُبُ حَدِيثًا إِلَّا وَفِي وَجْهِهِ نَضْرَةٌ ، رَوَاهُ الْخَطِيبُ . وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ : رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النَّوْمِ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَنْتَ قُلْتَ : نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً . فَذَكَرْتُهُ كُلَّهُ وَوَجْهُهُ يَسْتَهِلُّ ، فَقَالَ : نَعَمْ أَنَا قُلْتُهُ ، انْتَهَى ( فَرُبَّ ) قَالَ الْعَيْنِيُّ : رُبَّ لِلتَّقْلِيلِ لَكِنَّهُ كَثُرَ فِي الِاسْتِعْمَالِ لِلتَّكْثِيرِ بِحَيْثُ غَلَبَ حَتَّى صَارَتْ كَأَنَّهَا حَقِيقَةٌ فِيهِ ( حَامِلِ فِقْهٍ ) أَيْ : عِلْمٍ قَدْ يَكُونُ فَقِيهًا وَلَا يَكُونُ أَفْقَهَ فَيَحْفَظُهُ وَيُبَلِّغُهُ ( إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ ) فَيَسْتَنْبِطُ مِنْهُ مَا لَا يَفْهَمُهُ الْحَامِلُ ( حَامِلِ فِقْهٍ ) أَيْ : عِلْمٍ ( لَيْسَ بِفَقِيهٍ ) لَكِنْ يَحْصُلُ لَهُ الثَّوَابُ لِنَفْعِهِ بِالنَّقْلِ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى كَرَاهِيَةِ اخْتِصَارِ الْحَدِيثِ لِمَنْ لَيْسَ بِالْمُتَنَاهِي فِي الْفِقْهِ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَطَعَ طَرِيقَ الِاسْتِنْبَاطِ وَالِاسْتِدْلَالِ لِمَعَانِي الْكَلَامِ مِنْ طَرِيقِ التَّفَهُّمِ ، وَفِي ضِمْنِهِ وُجُوبُ التَّفَقُّهِ ، وَالْحَثُّ عَلَى اسْتِنْبَاطِ مَعَانِي الْحَدِيثِ ، وَاسْتِخْرَاجِ الْمَكْنُونِ مِنْ سِرِّهِ .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبَّادٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ .