بَاب فِي الشُّرْبِ قَائِمًا
بَابٌ : فِي الشُّرْبِ قَائِمًا حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قال : نا هِشَامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يَشْرَبَ الرَّجُلُ قَائِمًا باب في الشرب قائما ( نَهَى أَنْ يَشْرَبَ الرَّجُلُ قَائِمًا ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : وَفِي رِوَايَةٍ زَجَرَ عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا . وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : لَا يَشْرَبَنَّ أَحَدُكُمْ قَائِمًا ، فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِئْ . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ زَمْزَمَ فَشَرِبَ وَهُوَ قَائِمٌ .
وَفِي أُخْرَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَرِبَ مِنْ زَمْزَمَ وَهُوَ قَائِمٌ . وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - شَرِبَ قَائِمًا ، الْحَدِيثَ . قَالَ : وَقَدْ أَشْكَلَ عَلَى بَعْضِهِمْ وَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَأَوَّلُوا فِيهَا بِمَا لَا جَدْوَى فِي نَقْلِهِ ، وَالصَّوَابُ فِيهَا أَنَّ النَّهْيَ مَحْمُولٌ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ ، وَأَمَّا شُرْبُهُ قَائِمًا فَبَيَانٌ لِلْجَوَازِ ، وَأَمَّا مَنْ زَعَمَ النَّسْخَ أَوِ الضَّعْفَ فَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا فَاحِشًا ، وَكَيْفَ يُصَارُ إِلَى النَّسْخِ مَعَ إِمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا لَوْ ثَبَتَ التَّارِيخُ ؟ وَأَنَّى لَهُ بِذَلِكَ وَإِلَى الْقَوْلِ بِالضَّعْفِ مَعَ صِحَّةِ الْكُلِّ ؟ قُلْتُ : وَكَذَلِكَ سَلَكَ آخَرُونَ فِي الْجَمْعِ بِحَمْلِ أَحَادِيثِ النَّهْيِ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ وَأَحَادِيثِ الْجَوَازِ عَلَى بَيَانِهِ ، وَهِيَ طَرِيقَةُ الْخَطَّابِيِّ وَابْنِ بَطَّالٍ فِي آخَرِينَ .
قَالَ الْحَافِظُ : وَهَذَا أَحْسَنُ الْمَسَالِكِ وَأَسْلَمُهَا وَأَبْعَدُهَا مِنَ الِاعْتِرَاضِ . وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي حَاشِيَةِ السُّنَنِ : وَقَدْ خَرَّجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَجَرَ عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا . وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَشْرَبَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ قَائِمًا ، فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِئْ .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ زَمْزَمَ فَشَرِبَ وَهُوَ قَائِمٌ . وَفِي لَفْظٍ آخَرَ : فَحَلَفَ عِكْرِمَةُ مَا كَانَ يَوْمَئِذٍ إِلَّا عَلَى بَعِيرٍ . فَاخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ؛ فَقَوْمٌ سَلَكُوا بِهَا مَسْلَكَ النَّسْخِ وَقَالُوا : آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الشُّرْبُ قَائِمًا ، كَمَا شَرِبَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : فِي ثُبُوتِ النَّسْخِ بِذَلِكَ نَظَرٌ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَعَلَّهُ شَرِبَ قَائِمًا لِعُذْرٍ ، وَقَدْ حَلَفَ عِكْرِمَةُ أَنَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ رَاكِبًا ، وَحَدِيثُ عَلِيٍّ قِصَّةُ عَيْنٍ فَلَا عُمُومَ لَهَا . وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عُمَرَ عَنْ جَدَّتِهِ كَبْشَةَ قَالَتْ : دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي الْبَيْتِ قِرْبَةٌ مُعَلَّقَةٌ فَشَرِبَ قَائِمًا ، فَقُمْتُ إِلَى فِيهَا فَقَطَعْتُهُ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ . وَرَوَى أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ قَالَتْ : دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي الْبَيْتِ قِرْبَةٌ مُعَلَّقَةٌ فَشَرِبَ مِنْهَا وَهُوَ قَائِمٌ ، فَقَطَعْتُ فَاهَا فَإِنَّهُ لَعِنْدِي .
فَدَلَّتْ هَذِهِ الْوَقَائِعُ عَلَى أَنَّ الشُّرْبَ مِنْهَا قَائِمًا كَانَ لِحَاجَةٍ لِكَوْنِ الْقِرْبَةِ مُعَلَّقَةً ، وَكَذَلِكَ شُرْبُهُ مِنْ زَمْزَمَ أَيْضًا لَعَلَّهُ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الْقُعُودِ لِضِيقِ الْمَوْضِعِ أَوِ الزِّحَامِ وَغَيْرِهَا ، وَبالْجُمْلَةُ فَالنَّسْخُ لَا يَثْبُتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ : كُنَّا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَأْكُلُ وَنَحْنُ نَمْشِي وَنَشْرَبُ وَنَحْنُ قِيَامٌ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى النَّسْخِ إِلَّا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ : مُقَاوَمَة لِأَحَادِيثِ النَّهْيِ فِي الصِّحَّةِ ، وَبُلُوغُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَتَأَخُّرُهُ عَنْ أَحَادِيثِ النَّهْيِ ، وَبَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ حِكَايَةُ فِعْلٍ لَا عُمُومَ لَهَا ، فَإِثْبَاتُ النَّسْخِ فِي هَذَا عَسِرٌ ، انْتَهَى كَلَامُهُ . وَقَالَ فِي زَادِ الْمَعَادِ : وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الشُّرْبُ قَاعِدًا ، هَذَا كَانَ هَدْيَهُ الْمُعْتَادَ .
وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا ، وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ أَمَرَ الَّذِي شَرِبَ قَائِمًا أَنْ يَسْتَقِيءَ ، وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ شَرِبَ قَائِمًا . قَالَتْ طَائِفَةٌ : هَذَا نَاسِخٌ لِلنَّهْيِ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : بَلْ مُبَيِّنٌ أَنَّ النَّهْيَ لَيْسَ لِلتَّحْرِيمِ ، بَلْ لِلْإِرْشَادِ وَتَرْكِ الْأَوْلَى .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا أَصْلًا ؛ فَإِنَّهُ إِنَّمَا شَرِبَ قَائِمًا لِلْحَاجَةِ ، فَإِنَّهُ جَاءَ إِلَى زَمْزَمَ وَهُمْ يَسْقُونَ مِنْهَا فَاسْتَقَى فَنَاوَلُوهُ الدَّلْوَ فَشَرِبَ وَهُوَ قَائِمٌ ، وهَذَا كَانَ مَوْضِعَ حَاجَةٍ . وَلِلشُّرْبِ قَائِمًا آفَاتٌ عَدِيدَةٌ ؛ مِنْهَا : أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ الرِّيُّ التَّامُّ ، وَلَا يَسْتَقِرُّ فِي الْمَعِدَةِ حَتَّى يَقْسِمَهُ الْكَبِدُ عَلَى الْأَعْضَاءِ ، وَيَنْزِلُ بِسُرْعَةٍ وَحِدَّةٍ إِلَى الْمَعِدَةِ فَيُخْشَى مِنْهُ أَنْ يُبَرِّدَ حَرَارَتَهَا وَتُشَوِّشَهَا وَتُسْرِعَ النُّفُوذَ إِلَى أَسْفَلِ الْبَدَنِ بِغَيْرِ تَدْرِيجٍ ، وَكُلُّ هَذَا يَضُرُّ بِالشَّارِبِ ، وَأَمَّا إِذَا فَعَلَهُ نَادِرًا أَوْ لِحَاجَةٍ لَمْ يَضُرَّهُ ، انْتَهَى . وَأَخْرَجَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانُوا يَشْرَبُونَ قِيَامًا .
مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ كَانَا لَا يَرَيَانِ بِشُرْبِ الْإِنْسَانِ وَهُوَ قَائِمٌ بَأْسًا . مَالِكٌ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْقَارِي أنَّهُ قَالَ : رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَشْرَبُ قَائِمًا . مَالِكٌ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَشْرَبُ قَائِمًا ، انْتَهَى .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ بِنَحْوِهِ .