بَاب مَا يَقُولُ الرَّجُلُ إِذَا طَعِمَ
بَابٌ مَا يَقُولُ إِذَا طَعِمَ : أَيْ : إِذَا فَرَغَ مِنَ الطَّعَامِ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : اتَّفَقُوا عَلَى اسْتِحْبَابِ الْحَمْدِ بَعْدَ الطَّعَامِ وَوَرَدَتْ فِي ذَلِكَ أَنْوَاعٌ يَعْنِي لَا يَتَعَيَّنُ شَيْءٌ مِنْهَا . ( إِذَا رُفِعَتِ الْمَائِدَةُ ) أَيْ : مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ بِرِوَايَةِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْكُلْ عَلَى خِوَانٍ قَطُّ ، وَالْمَائِدَةُ هِيَ خِوَانٌ عَلَيْهِ طَعَامٌ فَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ أَنَسًا مَا رَأَى ذَلِكَ وَرَآهُ غَيْرُهُ ، وَالْمُثْبِتُ يُقَدَّمُ عَلَى النَّافِي .
قَالَ فِي الْفَتْحِ : وَقَدْ تُطْلَقُ الْمَائِدَةُ وَيُرَادُ بِهَا نَفْسُ الطَّعَامِ . وَقَدْ نُقِلَ عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا أُكِلَ الطَّعَامُ عَلَى شَيْءٍ ثُمَّ رُفِعَ قِيلَ : رُفِعَتِ الْمَائِدَةُ انْتَهَى . قُلْتُ : وَالتَّحْقِيقُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمَائِدَةَ هِيَ مَا يُبْسَطُ لِلطَّعَامِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ ثَوْبٍ أَوْ جِلْدٍ أَوْ حَصِيرٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، فَالْمَائِدَةُ عَامٌّ لَهَا أَنْوَاعٌ مِنْهَا السُّفْرَةُ وَمِنْهَا الْخُوَانُ وَغَيْرُهُ ، فَالْخُوَانُ بِضَمِّ الْخَاءِ يَكُونُ مِنْ خَشَبٍ وَتَكُونُ تَحْتَهُ قَوَائِمُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ، وَالْأَكْلُ عَلَيْهِ مِنْ دَأْبِ الْمُتْرَفِينَ لِئَلَّا يُفْتَقَرَ إِلَى التَّطَأْطُؤِ وَالِانْحِنَاءِ ، فَالَّذِي نُفِيَ بِحَدِيثِ أَنَسٍ هُوَ الْخُوَانُ ، وَالَّذِي أُثْبِتَ هُوَ نَحْوُ السُّفْرَةِ وَغَيْرُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
( طَيِّبًا ) أَيْ : خَالِصًا مِنَ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ ( مُبَارَكًا ) بِفَتْحِ الرَّاءِ هُوَ وَمَا قَبْلَهُ صِفَاتٌ لِحَمْدٍ مُقَدَّرٍ ( فِيهِ ) الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الْحَمْدِ أَيْ : حَمْدًا ذَا بَرَكَةٍ دَائِمًا لَا يَنْقَطِعُ ؛ لِأَنَّ نِعَمَهُ لَا تَنْقَطِعُ عَنَّا ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حَمْدُنَا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ أَيْضًا وَلَوْ نِيَّةً وَاعْتِقَادًا ( غَيْرَ مَكْفِيٍّ ) بِنَصْبِ غَيْرَ وَرَفْعِهِ وَمَكْفِيٍّ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ مِنْ كَفَأْتُ أَيْ : غَيْرَ مَرْدُودٍ وَلَا مَقْلُوبٍ وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الطَّعَامِ الدَّالِّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ أَوْ هُوَ مِنَ الْكِفَايَةِ ، فَيَكُونُ مِنَ الْمُعْتَلِّ يَعْنِي أَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُطْعِمُ لِعِبَادِهِ وَالْكَافِي لَهُمْ ، فَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى . وَقَالَ الْعَيْنِيُّ : هُوَ مِنَ الْكِفَايَةِ وَهُوَ اسْمُ مَفْعُولٍ أَصْلُهُ مَكْفُويٍّ عَلَى وَزْنِ مَفْعُولٍ فَلَمَّا اجْتَمَعَتِ الْوَاوُ وَالْيَاءُ قُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً ، وَأُدْغِمَتْ فِي الْيَاءِ ثُمَّ أُبْدِلَتْ ضَمَّةُ الْفَاءِ كَسْرَةً لِأَجْلِ الْيَاءِ ، وَالْمَعْنَى هَذَا الَّذِي أَكَلْنَاهُ لَيْسَ فِيهِ كِفَايَةٌ عَمَّا بَعْدَهُ بِحَيْثُ يَنْقَطِعُ ، بَلْ نِعَمُكَ مُسْتَمِرَّةٌ لَنَا طُولَ أَعْمَارِنَا غَيْرُ مُنْقَطِعَةٍ وَقِيلَ : الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الْحَمْدِ أَيْ أَنَّ الْحَمْدَ غَيْرُ مَكْفِيٍّ . إِلَخْ كَذَا قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ ( وَلَا مُوَدَّعٍ ) بِفَتْحِ الدَّالِ الثَّقِيلَةِ أَيْ : غَيْرُ مَتْرُوكٍ وَيُحْتَمَلُ كَسْرُهَا عَلَى أَنَّهُ حَالٌ مِنَ الْقَائِلِ أَيْ : غَيْرُ تَارِكٍ ( وَلَا مُسْتَغَنًى عَنْهُ ) بِفَتْحِ النُّونِ وَبِالتَّنْوِينِ أَيْ : غَيْرُ مَطْرُوحٍ وَلَا مُعْرَضَ عَنْهُ بَلْ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ ( رَبُّنَا ) بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ : هُوَ رَبُّنَا أَوْ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ ، وَيَجُوزُ النَّصْبُ عَلَى الْمَدْحِ أَوِ الِاخْتِصَاصِ أَوْ إِضْمَارِ أَعْنِي ، قَالَ ابْنُ التِّينِ : وَيَجُوزُ الْجَرُّ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي عَنْهُ وَقَالَ غَيْرُهُ : عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الِاسْمِ فِي قَوْلِهِ : الْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : رَبَّنَا بِالنَّصْبِ عَلَى النِّدَاءِ مَعَ حَذْفِ أَدَاةِ النِّدَاءِ .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .